الآخوند الخراساني
318
كفاية الأصول ( تعليق السبزواري )
[ الإشكال الأوّل ، والجواب عنه ] ولكنّه يشكل : بأنّه ليس لها هاهنا مفهوم ولو سلّم أنّ أمثالها ظاهرة في المفهوم ، لأنّ التعليل بإصابة القوم بالجهالة المشترك ( 1 ) بين المفهوم والمنطوق يكون قرينةً على أنّه ليس لها مفهوم ( 2 ) . ولا يخفى : أنّ الإشكال إنّما يبتني على كون الجهالة بمعنى عدم العلم ، مع أنّ دعوى أنّها بمعنى السفاهة وفعل ما لا ينبغي صدوره من العاقل غير بعيدة ( 3 ) .
--> ( 1 ) وصفٌ لقوله : « التعليل » . ( 2 ) هذا ثاني الإشكالين اللذين تعرّض لهما شيخ الطائفة ، وجعله الشيخ الأعظم الأنصاريّ أحد الإشكالين اللذين لا يمكن دفعهما . فراجع العدّة 1 : 113 ، فرائد الأصول 1 : 258 - 259 . وتوضيح الإشكال : أنّه لو سلّم ثبوت المفهوم في مثل الآية الكريمة في نفسه وبلحاظ الشرط فلا نسلّم ثبوته لهذه الآية الكريمة . وذلك لأنّ في الآية الكريمة قد أخذ الشرط مجيء الفاسق معلّلاً بإصابة القوم بجهالة ، ومقتضى التعليل أنّ الشرط يدور مدار العلّة . وعليه يكون الشرط مطلق موارد عدم العلم ، لانطباق الجهالة عليها . ولازمه عدم حجّيّة خبر العادل إذا لم يفد العلم ، لأنّه مشمول للمنطوق . ( 3 ) توضيحه : أنّ الإشكال المذكور مبنيٌّ على أن يكون المراد من « الجهالة » في قوله تعالى : ( أن تصيبوا قوماً بجهالة ) عدم العلم . ولكن الأمر ليس كذلك ، بل المراد منها السفاهة والإتيان بما لا ينبغي صدوره من العاقل ، وليس العمل بخبر العادل سفهيّاً ولا غير عقلائيّ ، فإنّ العقلاء يعملون بخبر الثقة فضلاً من خبر العادل ولو لم يفد العلم . وعليه فلا تعمّ التعليل ( أن تصيبوا قوماً بجهالة ) العملَ بخبر العادل . ولا يخفى : أنّ هذا الجواب حكاه الشيخ الأعظم الأنصاريّ عن بعض في فرائد الأصول 1 : 261 . وتابعه المصنّف في المقام . وارتضى به المحقّق النائينيّ والسيّد الخوئيّ ، فراجع فوائد الأصول 3 : 171 - 172 ، ومصباح الأصول 2 : 163 . وناقش فيه السيّد الإمام الخمينيّ بوجهين : الأوّل : أنّه لم يرد في كتب اللغة تفسير « الجهالة » بالسفاهة . الثاني : أنّ الآية الكريمة ليست بصدد بيان لزوم عدم الاعتناء بخبر الفاسق مطلقاً ، لأنّ مناسبة صدرها وذيلها وتعليلها تجعلها ظاهرةً في أنّ النبأ الّذي له خطرٌ عظيم وأنّ الإقدام على طبقه يوجب الندامة - كإصابة القوم ومقاتلتهم - لا بد من تبيّنه والعلم بمفاده ، ولا يجوز الإقدام عليه قبل حصول العلم بالواقع ، خصوصاً إذا جاء به الفاسق . وعليه يبقي الظاهر على حاله ، فإنّ الظاهر من التبيّن طلب الوضوح وتحقيق كذب الخبر وصدقه ، والظاهر من الجهالة في مقابل التبيّن هو عدم العلم بالواقع ، فليس معناها السفاهة . راجع هامش أنوار الهداية 1 : 291 . ولقد تصدّى المحقّق النائينيّ للجواب عن الإشكال بوجه آخر . وتابعه تلميذه المحقّق الخوئيّ . وحاصل ما أفاداه : أنّه لو سلّم أنّ المراد من « الجهالة » عدم العلم بالواقع فلا نسلّم أنّ التعليل مانعٌ عن المفهوم ، بل يكون المفهوم حاكماً على عموم التعليل . وذلك لأنّ غاية ما يدلّ عليه التعليل هو لزوم التبيّن عن غير العلم وعدم جواز العمل بما وراء العلم ، ولا يتعرّض إلى ما هو علم وما هو غير علم ، والمفهوم - على تقدير دلالة القضيّة الشرطيّة عليه بنفسها - يقتضي جعل خبر العادل محرِزاً للواقع وعِلْماً في عالم التشريع ، فيخرجه عن موضوع التعليل - وهو الجهالة - ، ويتقدّم عليه لحكومته عليه ، فلا يعقل التعارض بين المفهوم وعموم التعليل . فوائد الأصول 3 : 172 - 173 ، مصباح الأصول 2 : 163 . وناقش فيما أفاداه السيّد الإمام الخمينيّ بوجهين : الأوّل : ما أفاده المحقّق الاصفهانيّ من أنّ حكومة المفهوم على عموم التعليل مستلزم للدور ، لأنّ الحكومة تتوقّف على ثبوت المفهوم ، والمفهوم يتوقّف على الحكومة . الثاني : أنّ غاية ما تدلّ عليه الآية جواز العمل على طبق قول العادل أو وجوبه ، وليس لسانها لسان الحكومة ، وليس فيها دلالة على كون خبر العادل محرِزاً للواقع وعِلْماً في عالم التشريع . راجع نهاية الدراية 2 : 200 ، وأنوار الهداية 1 : 291 - 192 .