الآخوند الخراساني
282
كفاية الأصول ( تعليق السبزواري )
المجعولة غير مستتبعة لإنشاء أحكام تكليفيّة بحسب ما أدّى إليه الطريق ، بل إنّما تكون موجبة لتنجُّزِ التكليف به إذا أصاب ، وصحّةِ الاعتذار به إذا أخطأ ، ولكون ( 1 ) مخالفته وموافقته تجرّياً وانقياداً مع عدم إصابته ، كما هو شأن الحجّة غير المجعولة ، فلا يلزم اجتماع حكمين مثلين أو ضدّين ، ولا طلب الضدّين ، ولا اجتماع المفسدة والمصلحة ، ولا الكراهة والإرادة ، كما لا يخفى . وأمّا تفويت مصلحة الواقع أو الإلقاء في مفسدته ، فلا محذور فيه أصلا إذا كانت في التعبّد به ( 2 ) مصلحة غالبةٌ على مفسدة التفويت أو الإلقاء . نعم ، لو قيل ( 3 ) باستتباع جعل الحجّيّة للأحكام التكليفيّة ، أو بأنّه لا معنى لجعلها
--> ( 1 ) معطوف على قوله : « لتنجّز » أي : وتكون موجبة لكون . . . ( 2 ) أي : في التعبّد بالطريق غير العلميّ . ( 3 ) هذا شروعٌ في بيان الوجه الثاني من الوجوه الخمسة المشار إليها . وتوضيحه يستدعى تقديم أمور : الأوّل : أنّه بناءً على وجود الحكم الظاهريّ في مورد الأمارات قد يُدّعى أنّ الحجّيّة المجعولة للأمارات تستتبع حكماً تكليفيّاً ظاهريّاً ، وقد يُدّعى أنّ المجعول حقيقةً في مورد الأمارات هو الحكم التكليفيّ الظاهريّ ، والحجّيّة منتزعة عنه . الثاني : أنّه لا شكّ في تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد ، غاية الأمر قد تكون المصالح أو المفاسد في متعلّقات الأحكام فتتبع الأحكام لها ، من دون أن تكون في نفس الأحكام مصلحة أو مفسدة ; وقد تكون المصالح أو المفاسد في نفس الأحكام لا في متعلّقاتها . وعليه فالأحكام بعضها ناشىءٌ عن وجود المصلحة أو المفسدة في متعلّقه ، وهي : « الأحكام الواقعيّة » ; وبعضها ناشىءٌ عن وجود المصلحة أو المفسدة في نفسه وهي : « الأحكام الظاهريّة » . الثالث : أنّ المعتبر في كون حكم مِثْلاً لحكم آخر أو كون حكم ضدّاً لحكم آخر هو وحدة المنشأ فيهما ، بأن يكون منشأ أحدهما نفس منشأ الآخر . فيكون الحكمان مثلَيْن فيما إذا كانا ناشئين عن وجود مصلحة أو مفسدة في متعلّق واحد ، بأن يكون منشأ أحدهما وجود المصلحة في المتعلّق الّذي يكون وجودها فيه منشأً أيضاً لصدور الحكم الآخر . ويكون الحكمان ضدّين إذا كان منشأ الوجوب - مثلاً - وجود المصلحة في المتعلّق الذي يكون وجود المفسدة فيه منشأً للحكم بحرمته . وإمّا إذا اختلف منشؤهما - بأن يكون المنشأ في أحدهما وجود المصلحة أو المفسدة في متعلّق الحكم ، وفي الآخر وجود المصلحة أو المفسدة في نفس الحكم - فلا يكون الحكمان مثلين ولا ضدّين ، كي يكون اجتماعهما محالاً . إذا عرفت هذه الأمور ، فاعلم : أنّه لو قلنا بوجود الحكم الظاهريّ التكليفيّ في مورد الأمارات بأحد الوجهين المتقدّمين في الأمر الأوّل ، فاجتماع الحكمين في متعلّق الأمارات وإن كان يلزم ، إلاّ أنّه لا محذور في اجتماعهما ، لأنّهما ليسا بمثلين ولا ضدّين . وذلك لأنّ المنشأ في أحدهما غير المنشأ في الآخر ، فإنّ المنشأ في الحكم الظاهريّ الّذي أدّت إليه الأمارة هو وجود المصلحة أو المفسدة في نفس الحكم ، فإنّه يوجب إنشاءَ الحكم الظاهريّ الموجب للتنجّز وصحّة الاعتذار ، والمنشأ في الحكم الواقعيّ هو وجود المصلحة أو المفسدة في متعلّق الحكم ، فمركز المصلحة أو المفسدة في أحدهما غير مركزها في الآخر ، فلم يتحقّق الحكمان المثلان أو الحكمان الضدّان ، لفقدان ما يعتبر في التماثل أو التضادّ من وحدة المنشأ . وأمّا نفس الحكمين بما هما إنشاءان قطْعَ النظر عن منشئهما فلا تضادّ ولا تماثل بينهما . ومن هنا يظهر : أنّه لا يلزم اجتماع الإرادتين أو الإرادة والكراهة في المبدأ الأعلى ، ولا في المبادئ العالية ، لأنّ الإرادة والكراهة تابعة لوجود المصلحة والمفسدة في متعلّق الحكم ، فلا إرادة ولا كراهة إلاّ في الأحكام الواقعيّة ، وهذه الإرادة والكراهة إنّما تتحقّق في المبادئ العالية ، وهي النفس النبويّة أو الولويّة إذا يُوحى الحكم الناشئ عن المصلحة أو المفسدة في المتعلّق إلى النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أو يُلهم به الولي ، وأمّا المبدأ الأعلى فليس فيه إلاّ العلم بالمصلحة والمفسدة . وناقش فيه المحقّقان : العراقيّ والاصفهانيّ . فراجع نهاية الأفكار 3 : 70 ، ونهاية الدراية 2 : 137 - 138 .