الآخوند الخراساني
239
كفاية الأصول ( تعليق السبزواري )
بها يكون الحسنُ والقبحُ عقلا ، ولا ملاكاً للمحبوبيّة والمبغوضيّة شرعاً ( 1 ) ، ضرورة عدم تغيّر الفعل عمّا هو عليه من المبغوضيّة والمحبوبيّة للمولى بسبب قطع العبد بكونه محبوباً أو مبغوضاً له . فقَتْلُ ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضاً له ولو اعتقد العبد بأنّه عدُوُّه ، وكذا قَتْلُ عدوِّه مع القطع بأنّه ابنه لا يخرج عن كونه محبوباً أبداً . هذا . مع أنّ الفعل المتجرّى به أو المنقاد به - بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب - لا يكون اختياريّاً ، فإنّ القاطع لا يقصده إلاّ بما قطع أنّه عليه من عنوانه الواقعيّ الاستقلاليّ ، لا بعنوانه الطارئ الآليّ ، بل لا يكون غالباً بهذا العنوان ممّا يلتفت إليه ، فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلا ، ومن مناطات الوجوب أو الحرمة شرعاً ؟ ولا يكاد يكون صفةٌ موجبةٌ لذلك إلاّ إذا كانت اختياريّة ( 2 ) .
--> ( 1 ) أي : ولا يكون القطع بهما ملاكاً للمحبوبيّة أو المبغوضيّة شرعاً . ( 2 ) وحاصل ما أفاده : أنّ للمصنّف ( رحمه الله ) دعويان : الأولى : أنّ التجرّي يوجب استحقاق المتجرّى للعقاب ، والانقياد يوجب استحقاقه للثواب . وذلك لأنّ العزم على ما يراه المكلّف مخالفةً للمولى جرأةٌ على المولى وهتكٌ لحرمته ، فهو يكشف عن خبث الفاعل ، فيتّصف المتجرّى بالقبح الفاعليّ . الثاني : أنّ الفعل المتجرّى به باق على ما هو عليه من الحسن أو القبح ، والمبغوضيّة أو المحبوبيّة ، والوجوب أو الحرمة واقعاً ، ولا يتغيّر الواقع عمّا هو عليه بسبب تعلّق القطع به ، بل يبقى على ما هو عليه - من الوصف أو الحكم - لولا القطع . أمّا الدعوى الأولى : فالشاهد عليه هو الوجدان . وأمّا الدعوى الثانية : فيدلّ عليه وجهان : الأوّل : أنّ القطع ليس من العناوين الموجبة للحسن والقبح عقلاً ، ولا ملاكاً للمحبوبيّة والمبغوضيّة شرعاً ، ضرورة أنّه لا يتغيّر شرب الماء عما هو عليه من الإباحة بواسطة القطع ، كما لا يتغيّر شرب الخمر عما هو عليه من الحرمة بواسطة القطع بكونه ماءاً ; ولا يتغيّر أيضاً قتل ابن المولى عما هو عليه من البمغوضيّة بسبب قطع العبد بكونه عدوّه ، كما لا يتغيّر قتل عدوّه عما هو عليه من المحبوبيّة بسبب القطع بأنّه ابنه . فالوجدان حاكمٌ ببقاء الفعل المتجرّى به على ما هو عليه لولا القطع . الثاني : أنّ العناوين المحسِّنة أو المقبِّحة لا بد من أن تكون اختياريّة ، وعنوان القطع لا يكون كذلك ، لأنّ القاطع إنّما يقصد الفعل بعنوانه الواقعيّ ، لا بعنوان كونه مقطوعاً به ، فإذا قطع بخمريّة مائع وشربه فقد قصد شرب الخمر ولم يقصد شرب مقطوع الخمريّة أو مقطوع الحرمة ، فإنّ الفعل بهذا العنوان لا يكون ملتفتاً إليه ، ومع عدم الالتفات إليه يستحيل القصد إليه ، ومع امتناع القصد لا يتّصف هذا العنوان بالقبح مثلاً . وأورد المحقّق النائينيّ على الوجه الثاني بما حاصله : أنّ المراد بالالتفات هو حضور الشيء في النفس ، وحضور الشيء في النفس إنّما هو بالقطع الّذي صفة حاضرة بنفسها في النفس ، فلا يعقل أن يكون الإنسان عالماً بشيء مع كونه غير ملتفت إلى علمه . ولا ريب أنّ صدور الفعل بهذا العنوان اختياريّ وملتفت إليه ولو بالالتفات الإجماليّ الارتكازيّ . أجود التقريرات 2 : 27 . وأورد عليه السيّد الإمام الخمينيّ أيضاً - بعد ما عدّ إيراد المحقّق النائينيّ كلاماً خطابيّاً لا ينبغي أن يُصغى إليه - ما حاصله : أنّ العناوين المغفول عنها على قسمين : أحدهما : ما لا يمكن الالتفات إليه ولو بالنظرة الثانية ، كعنوان النسيان والتجرّي . فحينئذ لا يمكن اختصاص الخطاب به بأن يقال : « أيّها الناسي لكذا إفعل كذا » أو « أيّها المتجرّى في كذا إفعل كذا » ، فإنّه بنفس هذا الخطاب يخرج عن العنوان . ثانيهما : ما يمكن الالتفات إليه كذلك ، كعنوان القصد والعلم . وحينئذ يمكن اختصاص الخطاب به ، فإنّ العالم بالخمر بعد ما التفت إلى أنّ معلومه بما أنّه معلومٌ حكمُهُ يتوجّه بالنظرة الثانية إلى علمه توجّهاً استقلاليّاً . وأدلُّ دليل على ذلك وقوع العلم والقصد في الشرعيّات متعلّقاً للأحكام ، مثل قوله ( عليه السلام ) : « كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر » . أنوار الهداية 1 : 49 .