الآخوند الخراساني

236

كفاية الأصول ( تعليق السبزواري )

عدم الإصابة على التجرّي بمخالفته ، واستحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته ، أو لا يوجب شيئاً ؟ ( 1 ) [ المختار من حكم التجرّي ] الحقّ أنّه يوجبه ( 2 ) ، لشهادة الوجدان بصحّة مؤاخذته وذمّه على تجرّيه وهتك

--> ( 1 ) لا يخفى : أنّه لا بد في تحرير محلّ النزاع من بيان أمور : الأمر الأوّل : أنّ موضوع البحث لا يختصّ بصورة القطع ، بل يعمّ جميع الأمارات المعتبرة والأصول العمليّة ، بل بعض صور احتمال التكليف كما في مورد العلم الإجماليّ بالتكليف والشبهة البدويّة قبل الفحص . والجامع بين الجميع هو مخالفة ما يمكن للمولى أن يحتجّ به على عبده . فذكر القطع ليس لاختصاص البحث به ، بل إنّما هو لكونه أظهر ما يحتجّ به المولى على عبده . الأمر الثاني : أنّه ليس محلّ الكلام ما إذا كان موضوع الحكم نفس القطع أو الظنّ أو الاحتمال ، ضرورة أنّه إذا أخذ القطع أو الظنّ أو الاحتمال في موضوع الحكم يكون الحكم ثابتاً واقعاً ، ولا مجال للتجرّي هنا . فيختصّ البحث بالقطع الطريقيّ والظنّ والاحتمال غير المأخوذين في موضوع الحكم . الأمر الثالث : أنّ مسألة التجرّي هل هي من المسائل الأصوليّة أو من المسائل الفقهيّة أو من المسائل الكلاميّة ؟ والتحقيق : أنّ مسألة التجرّي والانقياد ذو جهات متعدّدة . فتارةً يبحث عن حرمة الفعل المتجرّى به وعدمها ، وعليه تكون من المسائل الفقهيّة ; وأخرى يبحث عن أنّه هل يكون مقتضى الإطلاقات المتكفّلة لثبوت الأحكام للعناوين الواقعيّة شمولَ الحكم لمقطوع العنوان ولو لم يكن مصادفاً للواقع أو لا يكون مقتضاها ذلك ؟ وعليه تكون من المسائل الأصوليّة ، فإنّها تكون نظير البحث عن أنّ مقتضى إطلاق الجملة الشرطيّة ثبوت المفهوم أو عدمه ; وثالثةً يبحث عن استحقاق المتجرّى للعقاب والمنقِد للثواب ، وعليه تكون من المسائل الكلاميّة . وظاهر كلام المصنّف ( رحمه الله ) في المقام هو الأخير . والحاصل : أنّ المبحوث عنه في المقام أنّ فعل الشيء - معتقداً بأنّه حرام - وتركه - معتقداً بأنّه واجب - هل يوجب استحقاق العقوبة ولو تبيّن عدم حرمة ما اعتقد بحرمته وعدم وجوب ما اعتقد بوجوبه ، أو لا يوجب ذلك ؟ وكذا فعل الشيء - معتقداً بأنّه مطلوب المولى - وتركه - معتقداً بأنّه مبغوضه - هل يوجب استحقاق المثوبة ولو كشف عدم مطلوبيّته أو عدم مبغوضيّته ، أو لا يوجب ؟ ( 2 ) لا يخفى : أنّ الأقوال في مسألة التجرّي كثيرة ، ولا بأس بالإشارة إلى بعضها : الأوّل : أنّ التجرّي لا يقتضي سوى الكشف عن سوء سريرة الفاعل وخبث باطنه الّذي لا يترتبّ عليه إلاّ الذمّ كما في سائر الصفات المذمومة . وأمّا العمل المتجرّى به فيبقي على ما هو عليه من الحكم أو الصفة قبل تعلّق القطع به . وهذا ما ذهب إليه الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الأصول 1 : 39 - 40 . الثاني : أنّ التجرّي يقتضي القبح الفاعليّ - أي يقتضي كون الفعل من حيث صدوره من هذا الفاعل قبيحاً - دون الفعليّ ، بل الفعل يبقى من حيث ذاته على ما هو عليه من المحبوبيّة أو المبغوضيّة . وهذا ما اختاره المصنّف ( رحمه الله ) في المقام . الثالث : أنّ التجرّي يوجب كون الفعل المتجرّى به قبيحاً ومعاقباً عليه من جهة انطباق عنوان الطغيان عليه ، مع بقاء ذات العمل على ما هو عليه في الواقع . فيقتضي التجرّي قبح الفعل فعلاً . وهذا ما ارتضاه المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار 3 : 30 . وفي المقام أقوال أخر لا يهمّ التعرّض لها . ثمرة النزاع : وتظهر الثمرة فيما لو قامت أمارة معتبرة على حرمة شيء - كما لو قامت الأمارة على حرمة صوم في يوم كذا - وأراد المتجرّى الإتيان بهذا العمل برجاء مطلوبيّته واقعاً . فبناءً على ما ذهب إليه الشيخ الأنصاريّ لا قبح في العمل المتجرّى به ، وإنّما الذمّ على الصفة الكامنة في النفس ، فلا مانع من الإتيان بهذا العمل برجاء مطلوبيّته ، لأنّه صالح للمقرّبيّة في نفسه ، وخبث السريرة لا ينافي التقرّب به ، فيصحّ العمل . وأمّا بناءً على ما ذهب إليه المصنّف ( رحمه الله ) فنفس الفعل وإن كان صالحاً للمقرّبيّة في نفسه ، لعدم كونه قبيحاً ، إلاّ أنّه يعتبر في المقرّبيّة - مضافاً إلى صلاحيّة الفعل للمقرّبيّة في نفسه - عدم اشتمال الفعل على القبح الفاعليّ . وعليه لا يصلح هذا الفعل للمقرّبيّة ، لقبح جهة صدوره ، فلا يصحّ هذا الفعل . وأمّا بناءً على ما ذهب إليه المحقّق العراقيّ فلا يمكن الإتيان بهذا العمل برجاء مطلوبيّته في الواقع ، لأنّه قبيحٌ فعلاً ، فلا يصلح للمقرّبيّة .