الآخوند الخراساني
175
كفاية الأصول ( تعليق السبزواري )
وليس المراد بالاتّحاد في الصنف إلاّ الاتّحاد فيما اعتبر قيداً في الأحكام ، لا الاتّحاد فيما كثر الاختلاف بحسبه والتفاوت بسببه بين الأنام ، بل في شخص واحد بمرور الدهور والأيّام ، وإلاّ لما ثبت بقاعدة الاشتراك للغائبين - فضلا عن المعدومين - حكمٌ من الأحكام . ودليل الاشتراك إنّما يُجدي في عدم اختصاص التكاليف بأشخاص المشافهين فيما لم يكونوا مختصّين بخصوص عنوان لو لم يكونوا معنونين به ( 1 ) لشكّ في شمولها لهم أيضاً . فلولا الإطلاق وإثبات عدم دخل ذاك العنوان في الحكم لما أفاد دليل الاشتراك . ومعه كان الحكم يعمّ غير المشافهين ولو قيل باختصاص الخطابات بهم ، فتأمّل جيّداً ( 2 ) .
--> ( 1 ) وفي بعض النسخ - على ما ذكره المحشّي المشكينيّ - : « ولو كانوا معنونين به » . وما في المتن موافق لما بأيدينا من النسخ . وسيأتي الفرق بين العبارتين . ( 2 ) ولعلّ الوجه في الأمر بالتأمّل ما في العبارة من الغموض . فيحتاج إلى الإيضاح . فنقول : غرض المصنّف ( رحمه الله ) من قوله : « لا يذهب عليك » إلى هنا هو المناقشة في الثمرة الثانية المنسوبة إلى العلاّمة البهبهانيّ . أمّا الثمرة ، فحاصلها : أنّ ثمرة القول بالعموم هي التمسّك بإطلاق الخطاب لإثبات الحكم الشرعيّ للغائبين والمعدومين . وثمرة القول بالاختصاص هي عدم صحّة التمسّك بالإطلاق ، لأنّ الحكم حينئذ مختصّ بالحاضرين في المجلس ، وعليه لا بد في إثبات الحكم لغير الحاضرين من التمسّك بالدليل اللبّيّ - أي الإجماع - الّذي يدلّ على اشتراك المعدومين والمشافهين في التكليف فيما إذا كانوا متّحدين معهم في الصنف . وأمّا المناقشة ، فتوضيحها : أنّ ما ذكره من ثمرة القول بالاختصاص - من عدم صحّة - التمسّك بالإطلاق - مخدوش من وجهين : أوّلاً : أنّه بناءً على الاختصاص يكون الملاك في ثبوت الأحكام الصادرة - خطاباً للحاضرين - للغائبين والمعدومين هو اتّحادهم مع الحاضرين في الصنف . والتحقيق أنّهم متّحدون معهم في الصنف ، حيث لا خصوصيّة للحاضرين بالنسبة إلى غيرهم توجب اختصاص الحكم بهم . وأمّا بعض الخصوصيّات الّذي كان البالغ في زماننا فاقداً له ممّا كان المشافهون واجدين له - كحضور النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) والأئمّة ( عليه السلام ) - فهو وإن كان محتمل الدخل في الحكم ، إلاّ أنّ إطلاق الخطاب وعدم تقييده بتلك الخصوصيّة يقتضي عدم دخلها في الحكم وعمومه لكلٍّ من المشافهين والمعدومين . فإذن يصحّ التمسّك بإطلاق الخطاب لإثبات الاتّحاد الّذي هو الملاك في ثبوت الأحكام لغير المشافهين ، من دون احتياج إلى التمسّك بقاعدة الاشتراك ، كما يصحّ التمسّك بإطلاق الخطاب على القول بالعموم . فلا فرق بين القولين . هذا ما أفاده المصنّف ( رحمه الله ) بقوله : « إنّه يمكن إثبات الاتّحاد . . . من دون التقييد به » . إن قلت : لا يصحّ التمسّك بإطلاق الخطاب لإثبات الاتّحاد بعد البناء على اختصاص الخطاب بالحاضرين . وذلك لأنّ من مقدّمات الإطلاق عدم وجود ما يصلح للقرينيّة ، واتّصاف الحاضرين ببعض الخصوصيّات - كحضور المعصوم ( عليه السلام ) - يصلح لأن يكون قرينةً على التقييد ، فلا يتمّ الإطلاق كي يمكن إثبات الاتّحاد بالتمسّك به . قلت : إنّ ما يحتمل دخله في الحكم - ممّا كان المشافهون واجدين له - قسمان : الأوّل : ما يمكن أن يتطرّق إليه الفقدان ، وهو الأوصاف المفارقة ، كالفقر والغنى والحضور عند المعصوم ( عليه السلام ) . ولا شكّ أنّه لو كانت هذه الأوصاف دخيلة في الحكم كان على المتكلّم بيانه بنصب قرينة دالّة على التقييد ، وإلاّ لأخلّ بغرضه ، نظراً إلى انفكاك الوصف عن الموضوع . فلا يجوز له إطلاق الخطاب وإرادة المقيّد بها ، بل ترك التقييد دليلٌ على عدم اعتبارها ، ويكون الإطلاق محكّم . الثاني : ما لا يمكن أن يتطرّق إليه الفقدان ، وهو الأوصاف اللازمة للذات . وهذه الأوصاف لو كانت دخيلة في الحكم يجوز للمتكلّم إطلاق الخطاب وإرادة المقيّد بها ، إذ على تقدير عدم بيانه لا يكون إخلالاً بالغرض نظراً إلى عدم انفكاك الوصف عن الموضوع . وهذا ما أفاده المصنّف ( رحمه الله ) بقوله : « وكونهم كذلك لا يوجب . . . فيما لا يتطرّق إليه كذلك » . إن قلت : بما أنّ الاختلاف بين المشافهين وغيرهم كثيرٌ - مثل كون المشافهين في المدينة ، وكونهم في المسجد ، وكونهم من الأنصار أو المهاجرين وغير ذلك - لا يمكن التمسّك بإطلاق الخطاب لإثبات الاتّحاد في الصنف . قلت : إنّ المراد من الاتّحاد ليس إلاّ الاتّحاد في الأوصاف الّتي يعتبر قيداً للحكم ، وهي ليست كثيرة ، وإلاّ لما ثبت بقاعدة الاشتراك حكمٌ من الأحكام لغير الحاضرين ، لكثرة اختلافهم في الخصوصيّات . وهذا ما أفاده المصنّف ( رحمه الله ) بقوله : « وليس المراد . . . حكمٌ من الأحكام » . وثانياً : أنّ الثمرة المذكورة إنّما تتمّ فيما إذا كان دليل قاعدة الاشتراك - وهو الإجماع - دليلاً مستقلاًّ على إثبات الحكم للمعدومين بناءً على اختصاص الخطاب بالمشافهين . ولكنّه ليس كذلك . بيان ذلك : أنّ الأوصاف والعناوين الثابتة للمشافهين قسمان : الأوّل : العناوين الّتي يعلم بعدم دخلها في الحكم ، بحيث لو سلبت من المشافهين لم نشكّ في ثبوت الحكم لهم ، ككونهم جالسين أو كونهم من أهل المدينة وغيرهما . الثاني : العناوين الّتي لم يعلم عدم دخلها في الحكم ، بل يحتمل دخلها فيه ، بحيث لو سلبت عن المشافهين ولم يكونوا معنونين بها بعد الخطاب لشكّ في شمول التكاليف لهم أيضاً ، ككونهم مشرّفين بمحضر المعصوم ( عليه السلام ) . وهذا ما أفاده المصنّف ( رحمه الله ) بقوله : « دليل الاشتراك . . . ولو قيل باختصاص الخطابات لهم » . ولا يخفى : أنّه جاء في بعض النسخ - على ما في حواشي العلاّمة المشكينيّ على الكفاية المطبوعة بالطبع الحجريّ 1 : 361 - « ولو كانوا معنونين به » مكان قوله : « لو لم يكونوا معنونين به » . وكلتا العبارتين صحيحة ، وتشيران إلى القسم الثاني من العناوين . فيكون معنى العبارة على ما في المتن : أنّ دليل الاشتراك إنّما يقتضي عدم اختصاص التكاليف بالمشافهين فيما إذا لم يكونوا مختصّين بعناوين يحتمل دخلها في الحكم الّتي لو سلبت عن المشافهين ولم يكونوا معنونين بها بعد الخطاب لشكّ في شمولها لهم أيضاً . ويكون معناها على ما في بعض النسخ : أنّ دليل الاشتراك إنّما يقتضي عدم اختصاص التكاليف بالمشافهين فيما إذا لم يكونوا مختصّين بعناوين يحتمل دخلها في الحكم - ولو كانوا معنونين بها حال الخطاب - الّتي لو سلبت عنهم لشكّ في شمولها لهم أيضاً .