الشيخ الكليني
133
الكافي
خالص دين الله شغل قلبه عما سواه ، يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون الدنيا هل هي إلا طعام أكلته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها ؟ ! . يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ولم يأمنوا قدومهم الآخرة ، يا جابر الآخرة دار قرار ، والدنيا دار فناء وزوال ولكن أهل الدنيا أهل غفلة وكأن المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة ، لم يصمهم عن ذكر الله جل اسمه ما سمعوا بآذانهم ، ولم يعمهم عن ذكر الله ما رأوا من الزينة بأعينهم ففازوا بثواب الآخرة ، كما فازوا بذلك العلم . واعلم يا جابر أن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم لك معونة ، تذكر فيعينونك وإن نسيت ذكروك ( 1 ) ، قوالون بأمر الله قوامون على أمر الله ، قطعوا محبتهم بمحبة ربهم ووحشوا الدنيا لطاعة مليكهم ونظروا إلى الله عز وجل وإلى محبته بقلوبهم وعلموا أن ذلك هو المنظور إليه ، لعظيم شأنه ، فأنزل الدنيا كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه ، أو كمال وجدته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شئ ، إني [ إنما ] ضربت لك هذا مثلا ، لأنها عند أهل اللب والعلم بالله كفئ الظلال ، يا جابر فاحفظ ما استرعاك الله ( 2 ) عز وجل من دينه وحكمته ولا تسألن عما لك عنده إلا ما له عند نفسك ، فإن تكن الدنيا على غير ما وصفت لك فتحول إلى دار المستعتب ( 3 ) ، فلعمري لرب حريص على أمر قد شقي به حين أتاه ولرب كاره لأمر قد سعد به حين أتاه ، وذلك قول الله عز وجل : " وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق
--> ( 1 ) أي إن كنت ذاكرا لله وطاعته فهم يعينونك وإن كنت ناسيا لهما ذكروك ( لح ) . ( 2 ) الاسترعاء طلب الرعاية ولعل المراد بقوله : " لا تسألن عما لك عنده " انك لا تحتاج إلى أحد تسأله عن ثوابك عند الله إذ ليس ذلك إلا بقدر ما له عند نفسك أعنى بقدر رعايتك دينه وحكمته فاجعله المسؤول وتعرف ذلك منه أو المراد لا تسأل عن ذلك بل سل عن هذا فإنك إنما تفوز بذلك بقدر رعايتك هذا أي تكن الدنيا عندك على غير ما وصفت لك فتكون تطمئن إليها فعليك أن تتحول فيها إلى دار ترضى فيها ربك يعنى أن تكون في الدنيا ببدنك وفى الآخرة بروحك ، تسعى في فكاك رقبتك وتحصيل رضا ربك عنك حتى يأتيك الموت . وهذا الحديث مما ذكره الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول ولم يذكر فيه لفظة " غير " وعلى هذا فلا حاجة إلى التكلف في معناه ( في ) . ( 3 ) في الحديث " لا يكون بعد الموت من مستعتب " أي ليس بعد الموت من استرضاء .