الشيخ الكليني

17

الكافي

يا هشام من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله : من أظلم نور تفكره بطول أمله ، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه ( 1 ) ، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه ، فكأنما أعان هواه على هدم عقله ، ومن هدم عقله ، أفسد عليه دينه ودنياه . يا هشام كيف يزكو ( 2 ) عند الله عملك ، وأنت قد شغلت قلبك عن أمر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك . يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل ، فمن عقل عن الله ( 3 ) اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها ، ورغب فيما عند الله ، وكان الله انسه في الوحشة ، وصاحبه في الوحدة ، وغناه في العيلة ( 4 ) ، ومعزه من غير عشيرة . يا هشام نصب الحق لطاعة الله ( 5 ) ، ولا نجاة إلا بالطاعة ، والطاعة بالعلم والعلم بالتعلم ، والتعلم بالعقل يعتقد ( 6 ) ، ولا علم إلا من عالم رباني ، ومعرفة العلم بالعقل . يا هشام قليل العمل من العالم مقبول مضاعف ، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود . يا هشام إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة ، ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا ، فلذلك ربحت تجارتهم . يا هشام إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب ، وترك الدنيا من

--> ( 1 ) والسبب في ذلك أن بطون الامل يقبل إلى الدنيا ولذاتها فيشغل عن التفكر ، أو يجعل مقتضى طول الامل ماحيا لمقتضى فكره الصائب . والطريف : الامر الجديد المستغرب الذي فيه نفاسة ، ومحو الطرائف بالفضول اما لأنه إذا اشتغل بالفضول شغل عن الحكمة في زمان التكلم بالفضول ، أو لأنه لما سمع الناس منه الفضول لم يعبأوا بحكمته أو لأنه إذا اشتغل به محى الله عن قلبه الحكمة . ( آت ) ( 2 ) الزكاة تكون بمعنى النمو وبمعنى الطهارة وهنا يحتملهما . ( آت ) ( 3 ) أي حصل له معرفة ذاته وصفاته وأحكامه وشرائعه ، أو أعطاه الله العقل . أو علم الأمور بعلم ينتهى إلى الله بأن يأخذه عن أنبيائه وحججه عليهم السلام إما بلا واسطة أو بواسطة ، أو بلغ عقله إلى درجة يفيض الله علومه عليه بغير تعليم بشر ( آت ) . ( 4 ) اي : مغنيه ، أو كما أن أهل الدنيا غناهم بالمال هو غناه بالله وقربه ومناجاته . والعيلة الفقر . والعشيرة : القبيلة . ( آت ) ( 5 ) " نصب " اما مصدر أو فعل مجهول وقرائته على المعلوم بحذف الفاعل أو المفعول كما توهم بعيد ، إنما نصب الله الحق والدين بارسال الرسل وإنزال الكتب ليطاع في أوامره ونواهيه . ( آت ) ( 6 ) اي يشد ويستحكم وفي بعض النسخ " يعتقل " .