ملا محمد مهدي النراقي
98
جامع السعادات
ومنها : الكراهة وهي نفرة الطبع عما لا يخلو عن إيلام وأتعاب ، فإذا قويت سميت مقتا . وضدها الحب ، وهو ميل الطبع إلى الشئ الملذ ، فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقا . إعلم أن عدم الرغبة والغفلة والكراهة والبعد أمور متناسبة مترتبة بعضها على بعض ، وكذا أضدادها - أعني الشوق والنية والحب والأنس - أمور متناسبة يترتب بعضها على بعض ، فنحن هنا نشير إجمالا إلى معانيها والفرق بينها ، ثم نذكرها مفصلة على الترتيب . فنقول : قد عرفت أن الغفلة والنية ضدان ، وهما عبارتان عن عدم انبعاث النفس وانبعاثها إلى ما فيه غرضها الملائم إما عاجلا أو آجلا ، وأما عدم الرغبة والشوق فهما أيضا ضدان ومبدآن للغفلة والنية . بيان ذلك : إن معنى عدم الرغبة ظاهر ، والشوق عبارة عن الرغبة إلى الشئ الذي لم يصل إليه وكان مفقودا عنه بوجه ، فالشوق لا يخلو عن ألم المفارقة ، ولو زالت المفارقة وحصل الوصال انتفى الشوق . ثم فرق الشوق عن النية ظاهر ، فإن الشوق مجرد الرغبة إلى الشئ من دون اعتبار انبعاث النفس إلى طلبه في مفهومه ، والنية هي الانبعاث المذكور ، فالشوق مبدأ النية ، والنية مترتبة عليه ، وبذلك يظهر الفرق بين ضديهما أيضا - أعني عدم الرغبة والغفلة . وأما ( الكراهة والحب ) : فقد عرفت أنهما عبارتان عن نفرة الطبع عن المؤلم ، وعن ميله إلى الملذ ، سواء انبعثت النفس عن طلبه أم لا ، وبهذا يفترق الحب عن النية ، فإن النية هي انبعاث النفس ، وهو مغاير لمجرد الميل بل الميل منشأ للانبعاث ، وسواء حصل الوصول إلى الملذ أم لا ، وبهذا يفترق عن الشوق فإن الشوق يعتبر في مفهومه عدم الوصول ، فالشوق والنية والإرادة لا ينفكان عن الحب والحب يكون مقارنا لهما البتة ، فإذا حصل الوصول إلى المطلوب زال الشوق والإرادة وبقي الحب بدونهما . وبما ذكر يظهر الفرق بين الكراهة وبين عدم الرغبة والغفلة . وأما ( الأنس ) : فهو عبارة عن استبشار النفس بما يلاحظ من المطلوب المحبوب بعد الوصول واستحكامه ورسوخه والبعد عبارة عن عدم