ملا محمد مهدي النراقي
96
جامع السعادات
تقع عباداته على أحسن الوجوه ، لأن إيمانه يقتضي ذلك ، ثم إذا اشتغل بها لا يتيسر له ذلك ، ولا يأتي بها كما يريد ، فما ينويه دائما خير مما يعمل به في كل عبادة . وإلى هذا أشار الباقر ( ع ) حيث قال : ( نية المؤمن خير من عمله وذلك لأنه ينوي الخير ما لا يدركه ، ونية الكافر شر من عمله ، وذلك لأن الكافر ينوي الشر ويأمل من الشر ما لا يدركه ) . وقيل للصادق ( ع ) : سمعتك تقول : نية المؤمن خير من عمله ، فكيف تكون النية خير من العمل ؟ قال عليه السلام : ( لأن العمل إنما كان رياء للمخلوقين ، والنية خالصة لرب العالمين ، فيعطي - عز وجل - على النية ما لا يعطي على العمل ) ، ثم قال : ( إن العبد لينوي من نهاره أن يصلي بالليل فتغلبه عينه فينام ، فيثبت الله له صلاته ويكتب نفسه تسبيحا ويجعل نومه صدقة ) . وبعض الأخبار المتقدمة يعضد ذلك ويؤكده أيضا . وقيل : معنى الحديث : ( إن النية بمجردها خير من العمل بمجرده بلا نية ) . وفيه : إن العمل بدون النية لا يتصف بالخيرية أصلا ، فلا معنى للترجيح في الخيرية ، وقيل : سبب الترجيح : ( إن النية سر لا يطلع عليه إلا الله ، والعمل ظاهر ، وفعل السر أفضل ) وهذا وإن كان في نفسه صحيحا ، إلا أنه ليس مرادا من الحديث ، لأنه لو نوى أحد أن يذكر الله - تعالى - بقلبه أو يتفكر في مصالح المؤمنين ، كانت نيته بمقتضى عموم الحديث خيرا من العمل الذي هو الذكر والتفكر مع اشتراك النية والعمل في السرية ، وبداهة كون الذكر والتفكر خيرا من نيتهما . فصل النية غير اختيارية النية غير داخلة تحت الاختيار ، وذلك لما عرفت من أنها انبعاث النفس وتوجهها وميلها إلى ملائم ظهر لها أن فيه غرضها إما عاجلا أو آجلا ، وهذا الميل إذا لم يكن حاصلا للنفس لم يكن اختراعه واكتسابه بمجرد الإخطار بالبال والاجراء على اللسان ، بل ذلك كقول الشبعان : نويت أن أشتهي الطعام وأميل إليه ، أو قول الفارغ : نويت أن أعشق فلانا وأحبه ، فلا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشئ وميله إليه وتوجهه نحوه ، إلا باكتساب أسبابه ،