ملا محمد مهدي النراقي

78

جامع السعادات

بالمحبوب ، وكل ما يتردد العبد فيه وينظر إليه من الموجودات هو صنع الله تعالى ، فله في النظر منها إلى الصانع مجال إن فتحت له أبواب الملكوت . ( وقسم ) ينظرون فيه بعين الحرص والشهوة ، وليس نظرهم إلى الطعام إلا من حيث يوافق شهوتهم وتلتذ به ذائقتهم ، ولذلك يذمونه لو لم يوافق هواهم ، وهؤلاء أكثر أهل الدنيا . وثالثها - أي ثالث مقامات المرابطة وأعمالها - هو ( المحاسبة ) بعد العمل ، فإن العبد كما يختار وقتا في أول كل يوم ليشارط في النفس على سبيل التوصية بالحق ، ينبغي له أن يختار وقتا آخر كل يوم ليطالب النفس فيه بما أوصى به ، ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها ، كما يفعل التجار في آخر كل سنة مع الشركاء . وهذا أمر لازم على كل سالك لطريق الآخرة معتقد للحساب في يوم القيامة ، وقد ورد في الأخبار : أن العاقل ينبغي أن يكون له أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يتفكر في صنع الله ، وساعة يخلو فيها للمطعم والمشرب . ولذلك كان الصدر الأول من الخائفين ومن تقدمنا من سلفنا الصالحين في غاية السعي والاهتمام في محاسبة النفس بحيث كانت عندهم من الطاعات الواجبة : وكانوا أشد محاسبة لنفوسهم من سلطان غاشم : ومن شريك شحيح ، ويعتقدون أن العبد لا يكون من أهل التقوى والورع حتى يحاسب نفسه أتم من محاسبة شريكه وأن من لا يحاسب نفسه إما معتوه أحمق أو لا يعتقد بحساب يوم القيامة ، إذ العاقل المعتقد به مع أهواله وشدائده وما يوجبه من الخجلة والحياء والافتضاح ، إذا علم أن محاسبة النفس في الدنيا تسقطه أو توجب خفته ، كيف يجوز له أن يتركها ؟ ثم كيفية المحاسبة بعد العمل : أن يطالب نفسه أولا بالفرائض التي هي بمنزلة رأس ماله ، فإن أدتها على وجهها شكر الله عليه ورغبها في مثلها ، وإن فوتتها من أصلها طالبها بالقضاء ، وإن أدتها ناقصة كلفها بالجبران بالنوافل ، وإن ارتكب معصية أشتغل بعتابها وتعذيبها ومعاقبتها ، واستوفى منها ما يتدارك به ما فرط به ، كما يصنع التاجر بشريكه . وكما أنه يفتش في حساب الدنيا عن الحبة والقيراط والنقير والقطمير ، فيحفظ مداخل الزيادة