ملا محمد مهدي النراقي

75

جامع السعادات

إليها ، لأنها رعايا خادمة لها في التجارة ولا يتم أعمالها هذه التجارة إلا بها ، فيوصيها بحفظ هذه الأعضاء عن المعاصي التي تصدر عنها ، وبأعمال كل منها فيما خلق لأجله ، ثم يوصيها بالاشتغال بوظائف الطاعات التي تتكرر عليه في اليوم والليلة ، وبالنوافل والخيرات التي تقدر عليها ، وهذه شروط يفتقر إليها كل يوم ، لكن إذا اعتادت النفس بتكرار المشارطة والمراقبة بالعمل بها والوفاء بحقها استغنى عن المشارطة فيها ، وإن اعتادت بالعمل في بعضها لم تكن حاجة إلى المشارطة فيه ، وبقيت الحاجة إليها في الباقي ، وكل من يشتغل بشئ من أعمال الدنيا : من ولاية أو تجارة أو تدريس ، أو أمثال ذلك : لا يخلو كل يوم منه من مهم جديد ، وواقعة حادثة لها حكم جديد ، ولله عليه فيها حق ، فعليه أن يجدد الاشتراط على نفسه بالاستقامة عليها والانقياد للحق في مجاريها ، وينبغي أن يوصلها بالتدبر في عاقبة كل أمر يرتكبه في هذا اليوم والليلة . وهذه الوصية عمدت الوصايا ورأسها ، وقد روي : ( أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وقال : يا رسول الله أوصني ، فقال له : فهل أنت مستوص إن أنا أوصيتك ؟ - حتى قال له ذلك ثلاثا ، وفي كلها يقول الرجل نعم يا رسول الله ! فقال له رسول الله ( ص ) : إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته ، فإن يك راشدا فامضه وإن يك غيا فانته ) . ويظهر من هذا الخبر : إن التأمل في عاقبة كل أمر أعظم ما يحصل به النجاة ، فينبغي أن يؤكد العهد والميثاق في ذلك على النفس ويحذرها عن الإهمال ، ويعضها كما يوعظ العبد المتمرد الآبق ، فإن النفس بالطبع متمردة عن الطاعات ، مستعصية عن العبودية ولكن الوعظ والتأديب يؤثر فيها ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) فهذا وما يجري مجراه هو المشارطة ، وهو أول مقامات المرابطة . وثانيها ( المراقبة ) : وهو أن يراقب نفسه عند الخوض في الأعمال ، فيلاحظها بالعين الكالئة ، فإنها إن تركت طغت وفسدت ، ثم يراقب في كل حركة وسكون ، بأن يعلم أن الله تعالى مطلع على الضمائر ، عالم بالسرائر ، رقيب على أعمال العباد ، قائم على كل نفس بما كسبت ، وأن سر القلب في حقه مكشوف ، كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف ، بل أشد من ذلك ، قال الله سبحانه :