ملا محمد مهدي النراقي
7
جامع السعادات
إليهم في الدنيا وأحسن إلينا فيها فيكون محبا لنا ولا يكون محبا لهم ، فيكون الأمر في الآخرة كذلك ، كما قال الشاعر : كما أحسن الله فيما مضى * كذلك يحسن فيما بقي ولا ريب في أن كل ذلك خيالات فاسدة وقياسات باطلة ، فإن من ظن أن النعم الدنيوية دليل الحب والاكرام فقد أغتر بالله ، إذ ظن أنه كريم عند الله ، بدليل لا يدل على الكرامة بل يدل عند أولي البصائر على الهوان والخذلان ، لأن نعيم الدنيا ولذاتها مهلكات ومبعدات من الله ، وأن الله يحمي أحباءه الدنيا كما يحمي الوالد الشفيق ولده المريض لذائذ الأطعمة ، ومثل معاملة الله - سبحانه - مع المؤمن الخالص والكافر والفاسق ، حيث يزوي الدنيا عن الأول ويصيب نعمها ولذاتها على الثاني ، مثل من كان له عبدان صغيران يحب أحدهما ويبغض الآخر ، فيمنع الأول من اللعب ويلزمه المكتب ويحبسه فيه ليعلمه الأدب ويمنعه من لذائذ الأطعمة والفواكه التي تضره ويسقيه الأدوية البشعة التي تنفعه ، ويهمل الثاني ليعيش كيف يريد ويلعب ويأكل كلما يشتهي ، فلو ظن هذا العبد المهمل أنه محبوب كريم عند سيده لتمكنه من شهواته ولذاته ، وأن الآخر مبغوض عنده لمنعه عن مشتهياته ، كان مغرورا أحمق ، فقد كان الخائفون من ذوي البصائر إذا أقبلت عليهم الدنيا حزنوا وقالوا : ذنب عجلت العقوبة ، وإذا أقبل عليهم الفقر قالوا : مرحبا بشعار الصالحين ! وأما المغرورون فعلى خلاف ذلك ، لظنهم أن إقبال الدنيا عليهم كرامة من الله وأن إدبارها عنهم هوان لهم ، كما أخبر الله - تعالى - عنه بقوله : ( فأما الإنسان إذ ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ) ( 13 ) . وعلاج هذا الغرور : أن يعرف أن أقبال الدنيا دليل الهوان والخذلان دون الكرامة والاحسان ، والتجرد منها سبب الكرامة والقرب إلى الله - سبحانه - والطريق إلى هذه المعرفة : إما ملاحظة أحوال الأنبياء والأولياء
--> ( 13 ) الفجر الآية : 15 - 16