ملا محمد مهدي النراقي
66
جامع السعادات
من درجات السعادات بما يتفق لهم من الفترات ومفارقة السيئات المقتطفات ، إذ أمثال الفترات ما يصدر عن السهو والغفلات لا يفسد النفس ولا يبطلها بحيث لا يقبل الإصلاح ، أو يتوب ويستمر على الاستقامة مدة ثم تغلبه الشهوة في بعض الذنوب ، فيقدم عليه عمدا وقصدا ، لعجزه عن قهر الشهوة وقمعها ، إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات ، وتارك لأكثر الذنوب مع القدرة والشهوة ، وأنما قهره بعض الشهوات بحيث يغفل عند هيجانها ويرتكب مقتضاها من دون مجاهدة وندامة ، وعند قضاء هذه الشهوة والفراغ عنها يتندم ، ويقول سأتوب عنها ، لكنه يسول نفسه ويسوف توبته يوما بعد يوم ، والنفس التي هذه درجتها هي التي تسمى النفس المسؤولة المسؤول صاحبها ، وإليها الإشارة بقوله تعالى : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) ( 22 ) . فنجاتها من حيث مواظبته على الطاعات وكراهته لما يتعاطاه مرجو ، فعسى الله أن يتوب عليها ، ولكن يخاف عليها من حيث تسويفها وتأخيرها ، فربما اختطفها الموت قبل التوبة ، ويقع أمرها في المشيئة ، فيدخل في زمرة السعداء ، أو يسلك في سلك الأشقياء ، أو يتوب ويجري مدة على الاستقامة ثم يعود إلى الذنوب عمدا وقصدا ، من غير أن يحدث نفسه بالتوبة ، ومن غير أن يتأسف ويتندم ، بل ينهمك انهماك الغافل في الذنوب واتباع الشهوات وهذا معدود من المصرين ، ونفسه محسوبة من النفوس الأمارة بالسوء الفرارة من الخير ، ومثله أن مات على التوحيد وختم له بالحسنى وغلبت طاعاته على سيئاته كان من أهل الجنة ، وأن ختم له بالسوء كان من أهل النار ، وأن مات على التوحيد ولكن ترجحت سيئاته على حسناته فأمره إلى الله ، ولعله يعذب في النار مدة بقدر زيادة سيئاته على حسناته ، ثم يخلص منها بعميم لطفه . فصل عدم الثقة بالاستقامة لا يمنع من التوبة إعلم أن من تاب ولا يثق من نفسه الاستقامة على التوبة فلا ينبغي
--> ( 22 ) التوبة الآية : 103