ملا محمد مهدي النراقي
58
جامع السعادات
الصغائر ، قال الله - تعالى - : ( أن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) ( 12 ) . وقال : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) ( 13 ) . وقال رسول الله ( ص ) : ( الصلوات الخمس والجمعة تكفر ما بينهن إن اجتنبت الكبائر ) واجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة ، كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها ، فيكف نفسه عن الوقاع ويقتصر على نظر ولمس ، فإن مجاهدته نفسه في الكف عن الوقاع أشد تأثيرا في تنوير قلبه من إقدامه على النظر في إظلامه ، فهذا معنى تكفيره فإن كان امتناعه لعجز أو خوف أو نحو ذلك ، فلا يصلح للتكفير ، فكذلك من يشتهي الخمر بطبعه ولو أبيح له لما شربه ، فاجتنابه لا يكفر عن الصغائر التي هي من مقدماته كسماع الملاهي والأوتار ومثله . ثم الكبيرة من حيث اللفظ مبهم ليس له موضوعا خاص في اللغة ولا في الشرع والعرف ، لأن الكبير والصغير من المصافات ، وما من ذنب إلا وهو كبير بالإضافة إلى ما دونه ، وصغير بالإضافة إلى ما فوقه . وقد اختلف العلماء في تعيين الكبائر اختلافا لا يكاد يرجى زواله واختلفت الروايات فيها أيضا . والأظهر بالنظر إلى الروايات وإلى الجمع بينها كون الكبيرة عبارة عما توعد بالنار على فعله أو ما ورد في نص الكتاب النهي عنه ، ويعني بوصفه بالكبيرة : إن العقوبة بالنار عظيمة ، أو إن تخصيصه بالذكر في القرآن يدل على عظمه . ويمكن أن يقال : إن الشرع لم يعينها ، وأبهمها ليكون العباد على وجل منها ، فيجتنبون جميع الذنوب ، كما أبهم ليلة القدر ليعظم جد الناس في طلبها ، ويواضبوا في ليال على العبادات ، ، وكما أبهم الاسم الأعظم ليواضبوا على جميع أسماء الله . والحاصل : أن كل ما يتعلق به حكم في الدنيا أجاز أن يتطرق إليه الإبهام ، والكبيرة على الخصوص لا حكم لها في الدنيا من حيث أنها كبيرة ، فإن موجبات الحدود معلومة بأساميها ،
--> ( 12 ) النساء ، الآية : 30 ( 13 ) النجم ، الآية : 32