ملا محمد مهدي النراقي

39

جامع السعادات

أن العزم على ترك كل معصية يكون من عمل كليهما أو إحداهما ، ومن فعل النفس بإعانتهما وانقيادهما للعاقلة ، وأن كان الباعث على الرجوع وتهيج النفس والقوتين على مباشرة الرجوع والترك هو معرفة عظم ضرر الذنوب ، وكونها حجابا بين العبد وبين المحبوب ، ويمكن أن يقال : إن التوبة هو الرجوع عن الذنب ، وهو من ثمرات الخوف والحب ، فإن مقتضى الحب أن يمتثل مراد المحبوب ولا يعصى في شئ مما يريده ويطلب من الحب ، فتكون من فضائل القوتين أيضا . ويمكن أن يقال : أن التوبة عبارة عن مجموع العلم بضرر الذنوب ، وكونها حجابا بينه وبين الله والندم الحاصل منه ، والقصد المتعلق بالترك حالا واستقبالا ، والتلافي للماضي والندم ، والقصد بالترك والتلافي من فعل القوتين أو فعل النفس بواسطة القوتين وانقيادهما للعاقلة ، والعلم المذكور من العاقلة ، فتكون التوبة من فضائل القوى الثلاث . وتوضيح حقيقة التوبة : أنه إذا علم العبد علما يقينيا أن ما صدر عنه من الذنوب حائلة بينه وبين محابه ، ثار من هذا العلم تألم القلب بسبب فوات المحبوب ، وصار متأسفا على ما صدر عنه من الذنوب ، سواء كانت أفعالا أو تروكا للطاعات ، ويسمى تألمه - بسبب فعله أو تركه المفوت لمحبوبه - ندما . وإذا غلب هذا الندم على القلب ، انبعثت منه حالة أخرى تسمى إرادة وقصدا إلى فعل له تعلق بالحال بترك الذنب الذي كان ملابسا له ، وبالاستقبال بعزمه على ترك الذنب المفوت لمحبوبه إلى آخر عمره ، وبالماضي بتلافيه ما فات بالجبر والقضاء . فالعلم - أعني اليقين بكون الذنوب سموما مهلكة - هو الأول ، وهو مطلع البواقي ، إذ مهما أشرق نور هذا اليقين على القلب أثمر نار الندم على الذنب ، فيتألم به القلب ، حيث ينظر بإشراق نور الإيمان واليقين أنه صار محجوبا عن محبوبه ، كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة ، فيسطع النور عليه بانقشاع سحاب أو انحسار حجاب ، فيرى محبوبه قد أشرف على الهلاك ، فتشتعل نيران الحب في قلبه وتنبعث بتلك النيران إرادته للانتهاض للتدارك . فالعلم ، والندم ، والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي : ثلاثة معاني مرتبة في