ملا محمد مهدي النراقي

302

جامع السعادات

هذه الدرجة تشتد البهجة ، وتعظم الحلاوة واللذة . ولذلك قال بعض الحكماء ( كنت أقرأ القرآن ، فلا أجد له حلاوة ، حتى تلوته كأني أسمعه عن رسول الله ( ص ) يتلوه على أصحابه ، ثم رفعت إلى مقام فوقه ، فكنت اتلوه كأني أسمعه من جبرئيل يلقيه على رسول الله ( ص ) فعندها وجدت لذة ونعيما لا أصبر عنه ) وقال حذيفة : ( لو طهرت القلوب ، لم تشبع من قراءة القرآن ) وذلك لأنها بالطهارة تترقى إلى مشاهدة المتكلم في الكلام ، بل التوحيد الخالص للعبد ، ألا يرى في كل شئ إلا الله ، إذ لو رأى غيره ، لا من حيث أنه منه وله وبه وإليه ، كان مشركا بالشرك الخفي . ومنها - التبري : وهو أن يتبرى من حوله وقوته ، ولا يلتفت إلى نفسه بعين الرضا والتزكية . فإذا قرأ آيات الوعد ومدح الأخيار ، فلا يشهد نفسه ولا يدخلها في زمرتهم ، بل يشهد أهل الصدق واليقين ، ويتشوق إلى أن يلحقه الله بهم . وإذا قرأ آيات المقت والوعيد ، وذم العصاة والمقصرين شهد نفسه هناك ، وقدر أنه المخاطب خوفا وإشفاقا . وإلى هذا أشار مولانا أمير المؤمنين ( ع ) ، حيث قال في وصف المتقين : ( وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنوا أن زفير جهنم في آذانهم ) فإذا رأى القارئ نفسه بصورة التقصير في القراءة كانت رؤيته سبب قربه . فإن من شهد البعد في القرب ، لطف له بالخوف ، حتى يسوقه إلى درجة أخرى في القرب وراءها ، ومن شهد القرب في البعد مكر به بالأمن الذي يفيضه إلى درجة أخرى في البعد أسفل مما هو فيه . ومهما كان مشاهدا نفسه بعين الرضا ، صار محجوبا بنفسه . فإذا جاوز حد الالتفات إلى نفسه ، ولم يشاهد إلا الله تعالى في قراءته ، وكشف له سر الملكوت بحسب أحواله ، فحيث يتلو آيات الرحمة والرجاء ، ويغلب على حاله الاستبشار ، وتنكشف له صورة الجنة ، فيشاهدها كأنه يراها عيانا ، وأن غلب عليه الخوف ، كوشف بالنار ، حتى يرى أنواع عذابها ، وذلك لأن كلام الله عز وجل يشتمل على السهل اللطيف ، والشديد العسوف ، والمرجو والمخوف ، وذلك بحسب أوصافه ، إذ منها الرحمة واللطف . ومنه - القهر والبطش والانتقام : فبحسب مشاهدة الكلمات والصفات