ملا محمد مهدي النراقي

290

جامع السعادات

أم لعذاب فأحب النبي ( ص ) أن يفزع أمته إلى خالقه وراحمه عند ذلك ليصرف عنهم شرها ، ويقيهم مكروها ، كما صرف عن قوم يونس ( ع ) حين تضرعوا إلى الله تعالى ) . المقصد الثالث الذكر - فضيلة الأذكار - الدعاء إعلم أنه ينبغي لكل مؤمن أن يكثر من الذكر والدعاء ، لا سيما عقيب الصلاة المفروضة . وقد ورد في فضائلها من الآيات والأخبار ما يمكن إحصاؤه ولاشتهارها لا حاجة إلى ذكرها هنا . فصل الذكر أما الذكر فالنافع منه هو الذكر على الدوام ، أو في أكثر الأوقات ، مع حضور القلب ، وفراغ البال ، والوجه الكلي إلى الخالق المتعال ، حتى يتمكن المذكور في القلب ، ويتجلى عظمته الباهرة عليه ، وينشرح الصدر بشروق نوره عليه ، وهو غاية ثمرة العبادات ، وللذكر أول وآخر ، فأوله يوجب الأنس والحب ، وآخره يوجبه الأنس والحب ، والمطلوب منه ذلك الحب والأنس . فإن العبد في بداءة الأمر يكون متكلفا بصرف قلبه ولسانه عن الوساس والفضول إلى ذكر الله ، فإن وفق للمداومة أنس به وانغرس في قلبه حب المذكور ، ومن أحب شيئا أكثر ذكره ، ومن أكثر ذكر شئ ، وإن كان تكلفا ، أحبه . ومن هنا قال بعضهم : ( كاءدت القرآن عشرين سنة ثم تنعمت به عشرين سنة ) ولا تصدر النعم من الأنس والحب ، ولا يصدر الأنس والحب إلا من المداومة على المكاءدة والتكلف مدة طويلة ، حتى يصير التكلف طبعا . وكيف يستبعد هذا وقد يتكلف الإنسان تناول طعام يستبشعه أولا ، ويكائد أكله ، ويواضب عليه ، فيصير موافقا لطبعه حتى لا يصبر عنه ؟ فالنفس تصير معتادة متحملة لما تكفلت : ( هي النفس ما عودتها تتعود ) ثم إذا حصل الأنس بذكر الله انقطع عن غير الله ، وما سوى الله يفارقه عند الموت ، ولا يبقى إلا ذكر الله ، فإن كان قد أنس به تتمتع به وتلذذ بانقطاع العوائق الصارفة عنه ، إذ ضرورات الحاجات في الحياة تصد عنه