ملا محمد مهدي النراقي

27

جامع السعادات

لا يتصور له الفراغ منها قط ، إذ ما قضى من أخذ لبانته ، وإنما فرغ منها من أطرحها . فصل علاج طول الأمل لما عرفت أن طول الأمل منشأه الجهل وحب الدنيا ، فينبغي أن يدفع الجهل بالفكر الصافي من شوائب العمى ، وبسماع الوعظ من النفوس الطاهرة ، فإن من تفكر يعلم أن الموت أقرب إليه من كل شئ ، وإنه لا بد أن تحمل جنازته ويدفن في قبره ، ولعل اللبن الذي يغطي به لحده قد ضرب وفرغ منه ، ولعل أكفانه قد خرجت من عند القصار وهو لا يدري به ، وأما حب الدنيا فينبغي أن يدفع من القلب بالتأمل في حقارة الدنيا ونفاسة الآخرة ، وما ورد في الأخبار من الذم والعقاب في حب الدنيا والرغبة إليها ، ومن المدح والثواب على تركها والزهد عنها ، وقد تقدم ما يكفي لهذا البيان وينبغي - أيضا - أن يتذكر ما ورد في مدح ضد طول الأمل - أعني قصر الأمل كما يأتي - وما ورد في ذنب طول الأمل ، كقوله ( ص ) : ( إن أشد ما أخاف عليكم خصلتان : أتباع الهوى ، وطول الأمل . فأما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق ، وأما طول الأمل فإنه الحب للدنيا - ثم قال - : إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض وإذا أحب عبدا أعطاه الإيمان ، ألا إن للدين أبناء وللدنيا أبناء ، فكونوا من أبناء الدين ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، ألا إن الدنيا قد ارتحلت مولية ، ألا إن الآخرة قد أتت مقبلة ، ألا وإنكم في يوم عمل ليس فيه حساب ، ألا وإنكم يوشك أن تكونوا في يوم حساب ليس فيه عمل ) ( 28 ) . وقوله صلى الله عليه وآله : ( نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ، ويهلك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل ) . وقول أمير المؤمنين عليه السلام : ( ما أطال عبد الأمل إلا أساء الأمل ) .

--> ( 28 ) صححنا الحديث على إحياء العلوم : 4 / 384 ، وهو يرويه عن علي عليه السلام عن النبي ( ص ) ولكن في كنز العمال : 2 / 169 ، يرويه : إنه من كلام علي ( ع ) نفسه ، مع اختلاف يسير عن عبارة الأحياء وعبارة الكنز أبلغ وأرصن ، وفيه كلمة ( الآخرة ) بدل ( الدين ) ، ونفس الكلام مع اختلاف يسير ( أيضا وهو أبلغ وأعلى من العبارتين ) مروي في نهج البلاغة : رقم 41 من باب الخطب ، فراجع