ملا محمد مهدي النراقي

269

جامع السعادات

على حواسه . ولكن الضعيف لا بد وأن يتفرق فيه فكره . فعلاجه : قطع هذه الأسباب ، بأن يغض بصره ، أو يصلي في بيت مظلم ، ولا يترك بين يديه ما يشغل حسه ، ويقرب من حائط عند صلاته ، حتى لا تتسع مسافة بصره ، ويتحرز من الصلاة على الشوارع ، وفي المواضع المنقوشة المصبوغة ، والعمارات العالية المرتفعة . ولذلك كان المتعبدون يصلون في بيت مظلم صغير ، سعته بقدر السجود ، ليكون أجمع للهم . والأقوياء كانوا يحضرون المساجد ، ويغضون البصر ، ولا يجاوزونه موضع السجود ، كما ورد الأمر به ، ويرون كمال الصلاة في ألا يعرفوا من على يمينهم وشمالهم . وأما الثاني : أعني الأسباب الباطنة ، فهي أشد . فإن من تفرقت همومه وتشعبت خواطره في أودية الدنيا لم ينحصر فكره في فن واحد ، بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب . وغض البصر لا يغنيه ، فإن ما وقع في القلب من قبل كاف للشغل . فهذا علاجه : أن يرد نفسه قهرا إلى فهم ما يقرؤه ، ويشغلها به عن غيره ، ويعينه على ذلك أن يستعد له قبل التحريم ، بأن يجدد على نفسه ذكر الآخرة ، وخطر المقام بين يدي الله تعالى ، وهول المطلع ، ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة عما يهمه من أمر الدنيا ، فلا يترك لنفسه شغلا يلتفت إليه خاطره ، فهذا طريق تسكين الأفكار فإن لم تسكن أفكاره بهذا الدواء المسكن ، فلا ينجيه إلا المسهل الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق ، وهو أن ينظر في الأمور الشاغلة الصارفة له عن إحضار القلب . ولا ريب في أنها تعود إلى مهماته ، وهي إنما صارت مهمة لأجل شهواته ، فليعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع تلك العلائق . فكل ما يشغله عن صلاته فهو ضد دينه ، وجند إبليس عدوه ، فإمساكه أضر عليه من إخراجه ، فيتخلص عنه بإخراجه . وهذا هو الدواء القامع لمادة العلة ، ولا يغني غيره . فإن ما ذكر من التلطف بالتسكين والرد إلى فهم الذكر ، إنما ينفع في الشهوات الضعيفة والهم الذي لا يشغل إلا حواشي القلب . وأما الشهوة القوية المرهقة ، فلا ينفع معها التسكين ، بل لا تزال تجاذبها وتجاذبك ، ثم تغلبك وتقضي جميع صلاتك في شغل المجاذبة . ومثاله مثال رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره ، فكانت أصوات