ملا محمد مهدي النراقي
251
جامع السعادات
كانت عاقبة ذلك ، فليحذر من أن يأخذه من غير حله ، فيعذب أبد الآباد لأجله فصل ما ينبغي للمؤمن في الطهارة ينبغي لكل مؤمن أن يستحضر عند اشتغاله بالطهارة عن الحدث : أن تكليفه بها للدخول في العبادات والمناجاة مع خالق البريات إنما هو لكون أعضائه التي أمر بغسلها مباشرة للأمور الدنيوية ، منهمكة في الكدورات الطبيعية ، فخرجت عن أهلية القيام بين يدي الله سبحانه ، والاشتغال بعبادته . فالأمر بغسلها ، لتتطهر عن هذه الكدورات ، فيتأهل للمناجاة . ولا ريب في أن مجرد غسلها لا يطهرها عن الأدناس الدنيوية والكدورات الجسمانية ، ما لم يطهر قلبه عن الأخلاق الذميمة ، والعلائق الدنيوية ، ما لم يعزم على الرجوع إلى الله ، والانقطاع عن الدنيا وشهواتها . فينبغي أن يكون قلبه عند الطهارة مطهرا عن ذمائم الصفات وخبائث الشهوات ، جازما على فطام الأعضاء التي هي أتباعه وخدامه عن شهوات الدنيا ، لتسري نوريته وطهارته إلى تلك الأعضاء ، ثم أمر في الوضوء أولا : بغسل الوجه ، الذي هو مجمع أكثر الحواس الظاهرة ، التي هي أعظم الأسباب الباعثة على مطالب الدنيا ، ليتوجه ويقبل بوجه للقلب على الله ، وهو خال من تلك الأدناس ، وثانيا : بغسل اليدين ، له مباشرتهما أكثر الأمور الدنيوية والمشتهيات الطبيعية المانعة من الإقبال على الآخرة ، وثالثا : بمسح الرجلين ، للتوصل بهما إلى أكثر المطالب الدنيوية ، والمقاصد الطبيعية . فأمر بتطهير جميعهما ليسوغ له الدخول بها في العبادات والاقبال عليها . وأمر في الغسل بغسل جميع البشرة ، لأن أدنى حالات الإنسان وأشدها تعلقا بالملكات الشهوية حالة الوقاع ، ولجميع بدنه مدخل في تلك الحالة . ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( تحت كل شعرة جنابة ) فحيث كان جميع بدنه بعيدا عن المرتبة العلية ، منغمسا في اللذات الدنية ، كان غسله أجمع من أهم المطالب الشرعية ، ليتأهل لمقابلة الجهة الشريفة ، والدخول في العبادة المنيفة . وأمر في التيمم بمسح الأعضاء بالتراب ، عند تعذر غسلها بالماء ، وضعا لتلك