ملا محمد مهدي النراقي
216
جامع السعادات
وورد : ( أن من لم يعرف نعمة الله إلا في مطعمه ومشربه ، فقد قل علمه وحضر عذابه ) . فالبصير لا تقع عينه في العالم على شئ ، ولا يلم خاطره بموجود إلا ويتحقق أن الله فيه نعمة عليه . ولذلك قال موسى بن عمران : ( إلهي ! كيف أشكرك ولك علي في كل شعرة من جسدي نعمتان : أن لينت أصلها ، وإن طمست رأسها ) . فصل الأسباب الصارفة للشكر إعلم أن السبب الصارف لأكثر الخلق عن الشكر ، إما قصور معرفتهم بأن النعم كلها من الله - سبحانه - ، أو قصور معرفتهم وإحاطتهم بصنوف النعم وآحادها ، أو جهلهم بحقيقة الشكر وكونه استعمال النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت بها ، وظنهم أن حقيقة الشكر مجرد أن يقولوا بلسانهم : الحمد لله ، أو الشكر لله ، أو الغفلة الناشئة عن غلبة الشهوة واستيلاء الشيطان ، بحيث لا يتنبهون للقيام بالشكر ، كما في سائر الفضائل والطاعات أو عدم احتسابهم للجهل ما يعم الخلق ويشملهم في جميع الأحوال من النعم نعمة . ولذلك لا يشكرون على جملة من النعم ، لكونها عامة للخلق ، مبذولة لهم في جميع الحالات . فلا يرى كل واحد لنفسه اختصاصا بها ، فلا يعدها نعمة . وتأكد ذلك بالفهم واعتيادهم بها ، فلا يتصورون خلاف ذلك ، ويظنون إن كل إنسان يلزم أن يكون على هذه الأحوال . فلذلك تراهم لا يشكرون الله على روح الهواء ، ووفور الماء ، وصحة البصر والسمع وأمثال ذلك . ولو أخذ يمحقهم ، حتى انقطع عنهم الهواء ، وحبسوا في بيت حمام فيه هواء حار ، أو بئر فيها هواء تقبل رطوبة الماء ، ماتوا . فإن ابتلى واحد بشئ من ذلك ، ثم نجى منه ، ربما قدر ذلك نعمة وشكر لله عليه . وكذا البصير ، إذا عميت عينه ، ثم أعيد عليه بصره ، عده نعمة وشكره ، ولو لم يبتل بالعمى وكان بصيرا دائما كان غافلا عن الشكر . وهذا غاية الجهل ، إذ شكرهم صار موقوفا على أن تسلب منهم النعمة ثم ترد عليهم في بعض الأحوال ، مع أن النعمة في جميع الأحوال أولى بالشكر .