ملا محمد مهدي النراقي
205
جامع السعادات
سبحانه . ثم ، الأسباب التي يتوقف عليها خلق هذه الحواس مما لا تتناهى ، فلا نتعرض لبيانها . وبعد إدراك الغذاء - على ما ذكر - لا بد له من قوة أخرى يعرف بها كون الغذاء الذي ذاقه سابقا ورآه مرة أخرى موافقا أو مخالفا ، وهذه القوة هي الحس المشترك ، الذي يتأدى إليه جميع المحسوسات ويجتمع فيه ، فإنك إذا أكلت شيئا أصفر مثلا فوجدته مرا مخالفا لك فتركته فإذا رأيته مرة أخرى فلا تعرف أنه مر ما لم تذقه ، لولا الحس المشترك ، إذ العين تبصر الصفرة ولا تدرك المرارة ، والذوق يدرك المرارة ولا يدرك الصفرة ، فلا بد من حاكم يجتمع عنده الصفرة والمرارة جميعا ، حتى إذا أدرك الصفرة حكم بأنه مر ، فيمتنع عن تناوله ثانيا . وهذه القوة - أعني الحس المشترك - يتوقف خلقه على أسباب ونعم لا يمكن إحصاؤها ، فلتذرها على سنابلها . ثم الإدراك بالحواس الظاهرة والحس المشترك ، مما تشترك فيه سائر الحيوانات ، ولو انحصر إدراك الإنسان أيضا به لكان ناقصا . إذ البهيمة تأكل ما تستلذ به في الحال ويضرها في ثاني الحال ، فتمرض وتموت ، إذ ليس لها إلا الإحساس بالحاضر ، وأما إدراك العواقب فليس لها إليه سبيل . فيتوقف تمييز صلاح العواقب وفسادها على قوة أخرى . فخلق الله للانسان العقل ، به يدرك مضرة الأطعمة ومنفعتها في المآكل ، وبه يدرك كيفية طبخ الأطعمة وتركيبها وأعداد أسبابها ، فينتفع بعقله في الأكل الذي هو سبب صحته وهو أخس فوائد العقل وأقل الحكم فيه ، إذ الحكم والفوائد المترتبة عليه أكثر من أن تحصى ، وأعظم الحكم فيه معرفة الله ومعرفة صفاته وأفعاله . والعقل بمنزلة السلطان في مملكة البدن ، والحواس الخمس كالجواسيس وأصحاب الأخبار والموكلين بنواحي المملكة ، وقد وكل كل واحدة منها بأمر خاص . فواحدة بأخبار الألوان ، وأخرى بأخبار الأصوات وأخرى بأخبار الروائح ، وأخرى بأخبار الطعون ، وأخرى بأخبار الحر والبرد والخشونة والملاسة واللين والصلابة . فهذه الجواسيس يقتنصون الأخبار من أقطار المملكة ، ويسلمونها إلى الحس المشترك ، وهو قاعد في مقدمة الدماغ ، مثل صاحب الكتب والقصص على باب الملك ، يجمع