ملا محمد مهدي النراقي
194
جامع السعادات
نعمة أخرى من الله يحتاج إلى شكر آخر . وهو أن يعرف أن هذا الشكر أيضا نعمة من الله - سبحانه - فيفرح به ويعمل بمقتضى فرحه . وهذه المعرفة والفرح تحتاج إلى شكر آخر . وهكذا فلا بد من الشكر في كل حال ، وليس يمكن أن تنتهي سلسلة الشكر إلى ما لا يحتاج إلى شكر . فغاية شكر العبد أن يعرف عجزه عن أداء حق شكره - تعالى - إذ عرفان عجزه مسبب عن عرفان جميع النعم ، حتى شكره من الله وهذا غاية ما يمكن للعبد . ويشهد بذلك ما روي : ( أن الله - عز وجل - أوحى إلى موسى ( ع ) : يا موسى ! اشكرني حق شكري . فقال : يا رب ! كيف أشكرك حق شكرك وليس من شكر أشكرك به إلا وأنت أنعمت به علي ؟ قال : يا موسى ! الآن شكرتني ، حيث علمت أن ذلك مني ) وكذلك أوحى ذلك إلى داود ، فقال : ( يا رب ! كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك ) . وفي لفظ آخر : ( وشكري لك نعمة أخرى منك ويوجب علي الشكر لك ، فقال : إذا عرفت هذا فقد شكرتني ) . وفي خبر آخر : ( إذا عرفت أن النعم مني ، رضيت عنك بذلك شكرا ) . وروي : ( أن السجاد ( ع ) كان إذا قرأ هذه الآية ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) يقول : سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها ! ) كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم أن لا يدركه فشكره - تعالى - معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره ، فجعل معرفتهم بالتقصير شكرا ، كما علم علم العارفين بأنهم لا يدركونه ، فجعله إيمانا علما منه أنه قد وسع العباد فلا يتجاوز ذلك فإن شيئا من خلقه لا يبلغ مدى عبادته ، فكيف يبلغ مدى عبادته من لا مدى له ولا كيف ؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . وقال أبو الحسن ( ع ) : ( من حمد الله على النعمة فقد شكره ، وكان الحمد لله أفضل من تلك النعمة ( 8 ) يعني أنه نعمة فوق تلك النعمة ، يستدعي شكرا آخر .
--> ( 8 ) صححنا الروايات على ( أصول الكافي ) ج 2 ، باب الشكر . وعلى ( الوافي ) 3 / 324 باب الشكر