ملا محمد مهدي النراقي
180
جامع السعادات
وكيله ، ولا التدبير الذي عرفه من عادته وسنته دون تصريح إشارته . الثانية - أن تكون حاله مع الله كحال الطفل مع أمه ، فإنه لا يعرف غيرها ، ولا يفزع إلا إليها ، ولا يعتمد إلا عليها . فإن رآها تعلق في كل حال بذيلها ، وإن ورد عليه أمر في غيبتها كان أول سابق لسانه يا أماه ! . والفرق بين هذا وسابقه ، إن هذا متوكل قد فنى في موكله عن توكله ، أي ليس يلتفت قلبه إلى التوكل ، بل التفاته إنما هو إلى المتوكل عليه فقط ، فلا مجال في قلبه لغير المتوكل عليه . وأما الأول فتوكل بالكسب والتكلف ، وليس فانيا عن توكله ، أي له التفات إلى توكله ، وذلك شغل صارف عن ملاحظة المتوكل عليه وحده . وهذا أقل وقوعا ودواما من الأول إذ حصوله إنما هو للخواص ، وغاية دوامه أن يدوم يوما أو يومين ، وينافي التدبيرات ، إلا تدبير الفزع إلى الله بالدعاء والابتهال ، كتدبير الطفل في التعلق بأمه فقط . الثالثة - وهي أعلى الدرجات ، أن يكون بين يدي الله في حركاته وسكناته مثل الميت بين يدي الغاسل ، بأن يرى نفسه ميتا ، وتحركه القدرة الأزلية كما يحرك الغاسل الميت . وهو الذي قويت نفسه ، ونال الدرجة الثالثة من التوحيد . والفرق بينه وبين الثاني ، أن الثاني لا يترك الدعاء والتضرع ، كما إن الصبي يفزع إلى أمه ، ويصيح ويتعلق بذيلها ، ويعدو خلفها ، وهذا ربما يترك الدعاء والسؤال ثقة بكرمه وعنايته ، فهذا مثال صبي علم أنه لم يرض بأمه ، فالأم تطلبه ، وإن لم يتعلق بذيلها فهي تحمله ، وإن لم يسأل اللبن فهي تسقيه . ومن هذا القسم توكل إبراهيم الخليل ( ع ) لما وضع في المنجنيق ليرمى به إلى النار ، وأشار إليه روح الأمين بسؤال النجاة والاستخلاص من الله سبحانه - فقال : ( حسبي من سؤالي علمه بحالي ) . وهذا نادر الوقوع ، عزيز الوجود ، فهو مرتبة الصديقين ، وإذا وجد فدوامه لا يزيد على صفرة الوجل ، أو حمرة الخجل ، وهو ينافي التدبيرات ما دام باقيا ، إذ يكون صاحبه كالمبهوت . ثم ، توكل العبد على الله قد يكون في جميع أموره ، وقد يكون في بعضها . وتختلف درجات ذلك بحسب كثرة الأمور المتوكل فيها وقلتها . وقال الكاظم ( ع ) في قوله