ملا محمد مهدي النراقي
176
جامع السعادات
في التوكل تفنيد زعم طريق تحصيل التوكل . * * * التوكل اعتماد القلب في جميع الأمور على الله وبعبارة أخرى : حوالة العبد جميع أموره على الله ، وبعبارة أخرى : هو التبري من كل حول وقوة ، والاعتماد على حول الله وقوته . وهو موقوف على أن يعتقد اعتقاد جازما بأنه لا فاعل إلا الله ، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله وأن له تمام العلم والقدرة على كفاية العباد ، ثم تمام العطف والعناية والرحمة بجملة العباد والآحاد ، وأنه ليس وراء منتهى قدرته قدرة ، ولا وراء منتهى علمه علم ، ولا وراء منتهى عنايته عناية . فمن اعتقد ذلك اتكل قلبه لا محالة على الله وحده ، ولم يلتفت إلى غيره ، ولا إلى نفسه أصلا . ومن لم يجد ذلك من نفسه ، فسببه إما ضعف اليقين ، أو ضعف القلب ، ومرضه باستيلاء الجبن عليه وانزعاجه بسبب الأوهام الغالبة عليه . فإن القلب الضعيف ينزعج تبعا للوهم ، وطاعة له من غير نقصان في اليقين ، كانزعاجه أن يبيت مع ميت في قبر أو فراش ، مع يقينه بأنه جماد في الحال لا يتصور منه أضرار ، فلا ينبغي أن يخاف منه ويفر عنه ، كما لا يفر من سائر الجمادات . وكذا من كان ضعيف القلب وتناول العسل - مثلا - ، فشبه العسل بين يديه بالعذرة ، فربما نفر طبعه لضعف قلبه وتعذر عليه أن يتناوله ، مع يقينه بأنه عسل ولا مدخلية للعذر فيه . فالتوكل لا يتم إلا بقوة اليقين وقوة القلب جميعا ، إذ بهما يحصل سكون القلب وطمأنينته . فالسكون في القلب شئ آخر ، واليقين شئ آخر . فكم من يقين لا طمأنينة معه ، كما قال تعالى : ( أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي ) ( 29 ) . فالتمس أن يشاهد إحياء الميت بعينه ليثبت اليقين في خياله ، فإن النفس تتبع الخيال وتطمئن به ، ولا تطمئن باليقين في ابتداء أمره إلى أن تبلغ درجة النفس المطمئنة ، وذلك لا يكون في البداية . وكم من مطمئن لا يقين له ، كأرباب الملل والمذاهب الباطلة . فإن اليهودي مطمئن القلب إلى تهوده ، وكذا النصراني ، ولا يقين لهما أصلا ، وإنما يتبعون الظن وما
--> ( 29 ) البقرة ، الآية : 260