ملا محمد مهدي النراقي
168
جامع السعادات
هيئة ، قد أذهب الله عنه ما كان به ، وصحب عيسى وتعبد به ) . فصل هل يناقض الدعاء ونحوه الرضا إعلم أن الدعاء غير مناقض للرضا ، وكذلك كراهية المعاصي ، ومقت أهلها ، وحسم أسبابها ، والسعي في إزالتها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والخروج من بلد ظهرت فيه المعاصي . وقد زعمت طائفة من أهل البطالة والغرور : إن جميع ذلك يخالف الرضا . إذ كل ما يقصد رده بالدعاء وأنواع المعاصي والفجور والكفر من قضاء الله وقدره ، فيجب للمؤمن أن يرضى به . وقد رأوا السكوت على المنكرات مقاما من مقامات الرضا ، وسموه حسن الخلق ، وهذا جهل بالتأويل ، وغفلة من أسرار الشريعة ودقائقها . أما الدعاء ، فلا ريب في أنا قد تعبدنا به ، وقد كثرت أدعية الأنبياء والأئمة ، وكانوا على أعلى مقامات الرضا ، وتظاهرت الآيات وتواترت الأخبار في الأمر بالدعاء وفوائده وعظم مدحه ، وأثنى الله - سبحانه - على عباده الداعين ، حيث قال : ( ويدعوننا رغبا ورهبا ) ( 17 ) . وقال ( أدعوني أستجب لكم ) ( 17 ) . وقال : ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) ( 19 ) . وهو يوجب صفاء الباطن ، وخشوع القلب ، ورقة النظر ، وتنور النفس وتجليها . وقد جعله الله - تعالى - مفتاحا للكشف ، وسببا لتواتر مزايا اللطف والاحسان . وهو أقوى الأسباب لإفاضة الخيرات والبركات من المبادي العالية . فإن قيل : ما يرد على العبد من المكاره والبلايا يكون بقضاء الله وقدره ، والآيات والأخبار ناطقة بالرضا بقضاء الله مطلقا ، فالتشمر لرده في الدعاء يناقض الرضا . قلنا أن الله - سبحانه - بعظيم حكمته ، أوجد الأشياء على التسبيب
--> ( 17 ) الأنبياء ، الآية : 90 ( 18 ) المؤمن ، الآية 60 ( 19 ) البقرة الآية : 186