ملا محمد مهدي النراقي

166

جامع السعادات

قوله - تعالى - : ( سلام قولا من رب رحيم ) ( 15 ) والثالثة : يقول الله - تعالى - : ( إني عنكم راض ) ، وهو أفضل من الهدية والتسليم ، وذلك قوله - تعالى - : ( ورضوان من الله أكبر ) ( 16 ) : أي من النعيم الذي هم فيه . ومعنى رضا الله عن العبد قريب من معنى حبه له ، إلا أنه في الآخرة سبب لدوام النظر والتجلي في غاية ما يتصور من اللقاء والمشاهدة . ولهذا ليست رتبة في الجنة فوقه . ويروه أهل الجنة أقصى الأماني ، وغاية الغايات فصل رد إنكار تحقق الرضا من الناس من أنكر إمكان تحقق الرضا في أنواع البلاء وفيما يخالف الهوى ، وقال المتمكن فيهما : هو الصبر دون الرضا ، وهو إنما أتى من ناحية إنكار المحبة ، إذ بعد ثبوت إمكان الحب لله واستغراق الهم به لا يخفى إيجابه للرضا بأفعال المحبوب . وذلك يكون من وجهين : أحدهما - أن يوجب الاستغراق في الحب إبطال الاحساس بالألم ، حتى يجري عليه المؤلم ولا يحس به ، وتصيبه جراحة ولا يدرك المها . ولا تستبعدن ذلك ، فإن المحارب عند خوضه في الحرب ، وعند شدة غضبه أو خوفه ، قد تصيبه جراحة وهو لا يحس بها فإذا رأى الدم استدل به على الجراحة ، بل الذي يعدو في شغل مهم قد تصيبه شوكة في قدمه ، ولا يحس بألمها لشغل قلبه . والسر : أنا القلب إذا صار مستغرقا بأمر من الأمور ، لم يدرك ما عداه . فالعشق المستغرق الهم بمشاهدة المعشوق أو بحبه قد يصيبه ما كان يتألم به أو يغتم ، لولا عشقه ، ولا يدرك ألمه وغمه لاستيلاء الحب على قلبه ، وهذا إذا أصابه من غير حبيبه ، فكيف إذا أصابه من حبيبه .

--> ( 15 ) يس ، الآية : 58 ( 16 ) التوبة ، الآية 73