ملا محمد مهدي النراقي

16

جامع السعادات

في مجلسه ، والتذاذا بتحريك الرؤوس على كلامه والبكاء عليه ، وفرحا بكثرة الأصحاب والمستفيدين والمعتقدين به ، وسرورا بالتخصيص بهذه الخاصة من بين سائر الأقران ، وربما لم يبال بالكذب في نقل الأخبار والآثار ، ظنا منه أنه أوقع في النفوس وأشد تأثيرا في رقة العوام وتواجدهم . ولا ريب في أن هؤلاء شر الناس ، بل شياطين الإنس ، ظلوا وأظلوا عن سواء السبيل ، إذ الأولون أن لم يصلحوا أنفسهم ، فقد أصلحوا غيرهم وصححوا كلامهم ووعظهم ، وأما هؤلاء فإنهم يصدون عن سبيل الله ، ويجرون الخلق إلى الغرور بالله ، لأن سعيهم في ذكر ما يسر به العامة ، ليصلوا به منهم إلى أغراضهم الفاسدة ، فلا يزالون يذكرون ما يقوي الرجاء ، ويزيدهم جرأة على المعاصي ورغبة في الدنيا ، ( لا ) سيما إذا كان هذا الواعظ أيضا ممن يرغب في الدنيا ، ويسر بوصول المال إليه ، ويتزين في الثياب الفاخرة والمراكب الفارهة ، وغيرهما من زينة الدنيا . فمثله ممن يضل ويكون إفساده أكثر من إصلاحه ، ومع ذلك يظن أنه مروج الشرع والدين ومرشد الضالين ، فهو أشد المغرورين والغافلين . و ( منهم ) من هذب أخلاقه ، وراقب قلبه ، وصفاه عن جميع الكدورات ، وصغرت الدنيا في عينه ، وانقطع طمعه عن الخلق فلم يلتفت إليهم ، ودعته الرحمة والشفقة على عباد الله إلى نصحهم واستخلاصهم عن أمراض المعاصي بالوعظ ، فلما أستقل به وجد الشيطان مجال الفتنة ، فدعاه إلى الرئاسة دعاء خفيا - أخفى من دبيب النملة - لا يشعر به ، ولم يزل ذلك في قلبه يربو وينمو حتى دعاه إلى التصنع والتزين للخلق : بتحسين الألفاظ والنغمات والحركات ، والتصنع في الزي والهيئة والشمائل ، وأقبل الناس إليه يعظمونه ويوقرونه توقيرا يزيد على توقير الملوك ، إذ رأوه شافيا لأمراضهم بمحض الرحمة والشفقة من غير طمع ، فآثروه بأبدانهم وأموالهم ، وصاروا له كالخدم والعبيد ، فعند ذلك انتشر طبعه وارتاحت نفسه ، وذاق لذة يا لها من لذة ، وأصاب من الدنيا شهوة يستحقر معها كل شهوة ، فوقع في أعظم لذات الدنيا بعد قطعه بأنه تاركا للدنيا ، فقد غره الشيطان على ما لا يشعر به . وعلامة ثوران حب الرئاسة في باطنه : أنه لو ظهر من أقرانه