ملا محمد مهدي النراقي
153
جامع السعادات
ما غاب عنه وما يتطرق إليه من خطر الزوال ، عظم نعيمه ولذته ، وغلب عليه الأنس بالله ، ولم تكن شهوته إلا في الانفراد والخلوة ، وذلك لأن الأنس بالله يلازمه التوحش من غير الله ، بل كلما يعوق من الخلوة يكون أثقل الأشياء على القلب ، كما روي : ( أن موسى ( ع ) لما كلمه ربه ، مكث دهرا لا يسمع كلامه أحد من الخلق إلا أخذه الغشيان ) ، لأن الحب يوجب عذوبة كلام المحبوب وعذوبة ذكره ، فيخرج عن القلب عذوبة ما سواه فإن خالط الناس كان كمنفرد في جماعة ، ومجتمع في خلوة ، وغريب في حضر ، وحاضر في سفر ، وشاهد في غيبة ، وغائب في حضور ، ومخالط بالبدن ، متفرد بالقلب المستغرق في عذوبة الذكر ، قال أمير المؤمنين ( ع ) في وصفهم : ( هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر ، فباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما أستوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى ، أولئك خلفاء الله في أرضه ، والدعاة إلى دينه ) . فصل الأنس بالله من أنكر وجود الحب والشوق أنكر وجود الأنس أيضا ، ظنا أنه يدل على التشبيه ، وهو ناش عن الجهل بالابتهاجات العقلية واللذات الحقيقية وعن القصور في طريق المعرفة ، والجمود على أحكام الحس ، والغفلة عن عالم العقل والبصيرة ، وقد ظهر ثبوت الأنس من بعض الأخبار السابقة ، ويدل عليه ما ورد في أخبار داود : ( إن الله عز وجل أوحى إليه : يا داود ! أبلغ أهل أرضي : إني حبيب لمن أحبني ، وجليس لمن جالسني ، ومؤنس لمن أنس بذكري . وصاحب لمن صاحبني ، ومختار لمن اختارني ، ومطيع لمن أطاعني ، ما أحبني عبد أعلم ذلك يقينا من قلبه إلا قبلته لنفسي ، وأحببته حبا لا يتقدمه أحد من خلقي ، من طلبني بالحق وجدني ، ومن طلب غيري لم يجدني ، فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها ، وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ، وآنسوا بي أوانسكم ، وأسارع إلى محبتكم ) . ج : 3