ملا محمد مهدي النراقي
129
جامع السعادات
فصار يحسدني من كنت أحسده * وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي تركت للناس دنياهم ودينهم * شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي فصل تحقق رؤية الله في الآخرة ولذة لقائه إعلم أن معرفة الله إذا حصلت في الدنيا لم تكن خالية عن كدرة ما كما أشير إليه ، إلا أنه إذا اكتسب أصلها في الدنيا فيزيدها في الآخرة انكشافا وجلاء بقدر صفاء القلوب وزكائها وتجردها عن العلائق الدنيوية ، إلى أن يصير أجلى وأظهر من المشاهدة بمراتب ، فالاختلاف بين ما يحصل في الدنيا من المعرفة وما يحصل في الآخرة من مشاهدة ولقاء إنما هو بزيادة الانكشاف وجلاء . مثال ذلك : إن من رأى إنسانا ، ثم غض بصره ، وجد صورته حاضرة في خياله كأنه ينظر إليها ، ولكن إذا فتح العين وأبصر ، أدرك تفرقة بين حالتي غض العين وفتحها ، ولا ترجع التفرقة إلى اختلاف بين بين الصورتين لاتحادهما ، بل الافتراق إنما هو بمزيد الكشف والوضوح ، فالصورة المتخيلة صارت بالرؤيا أتم انكشافا ، فإذا الخيال أول الإدراك ، والرؤيا استكمال لإدراك الخيال ، وهي غاية الكشف ، لا لأنها في العين ، بل لو خلق الله هذا الإدراك الكامل المتجلي في الصدر أو الجهة أو أي عضو فرض ، استحق أن يسمى رؤية . وإذا فهمت هذا في المتخيلات - أي المدركات التي تدخل في الخيال من الصور والأجسام - فقس عليه الحال في المعلومات - أي ما يدرك بالعقل - ، ولا يدخل في الخيال كذات الباري وكل ما ليس بجسم ، كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها ، فإن لمعرفتها وإدراكها أيضا درجتين : إحداهما : أولى ، والثانية : استكمال لها ، وبينهما من التفاوت في مزيد الكشف والايضاح ما بين المتخيل والمرئي ، فتسمى الثانية بالإضافة إلى الأولى لقاء ومشاهدة ورؤية ، وهذه التسمية حق ، لأن الرؤية سميت رؤية لأنها غاية الكشف ، وكما أن سنة الله جارية بأن تطبق الأجفان يمنع من تمام الكشف الذي هو الرؤية في المتخيلات ، فكذلك سنته أن النفس ما دامت محجوبة بالبدن وعوارضه وشهواته ، لم يحصل لها تمام