ملا محمد مهدي النراقي
116
جامع السعادات
خليفة ) ( 16 ) . إذ لم يستحق آدم خلافة الله إلا بتلك المناسبة ، وبهذه المناسبة ينقطع العبد إلى ربه ، ويعرفه عند ابتلائه بمصيبة وبلية ، وهذه المناسبة لا تظهر ظهورا تاما إلا بالمواضبة على النوافل بعد أحكام الفرائض ، كما قال الله - تعالى - : ( لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ) . وهذا موضع تزل فيه الأقدام ، حتى وقع قوم في التشبيه الظاهر ، وآخرون في الحلول والاتحاد ، وأهل الحق الذين انكشفت لهم استحالة التشبيه والاتحاد ، وفساد طرفي التفريط والافراط ، واتضحت لهم حقيقة السر ، وعرفوا تلك المناسبة واستقاموا عليه : هم الأقلون . ثم من المناسبة الظاهرة التي بين العبد وبين ربه هو قرب العبد من الله في الصفاة الربوبية والأخلاق الإلهية كالعلم ، والبر ، والاحسان ، واللطف ، وإفاضة الخير والرحمة على الخلق ، وإرشادهم إلى الحق . . . إلى غير ذلك من الصفات الإلهية ، ولذا قيل : تخلقوا بأخلاق الله . ولا ريب في أن كل ذلك يقرب العبد إلى الله ، ويصيره ناسبا له . وأما العلية والمعلولية فالأمر فيه ظاهر ، وباقي الأسباب أسباب ضعيفة نادرة ، اعتبارها في حق الله نقص . وقد ظهر مما ذكر : أن أسباب الحب بجملتها متظاهرة في حق الله - تعالى - تحقيقا لا مجازا ، أو في أعلى الدرجات لا أدناها ، ثم كل من يحب أحدا من الخلق بسبب هذه الأسباب يتصور أن يحب غيره لمشاركته إياه في السبب . والشركة نقصان في الحب ، لا يتصف أحد بوصف محبوب إلا ويوجد شريك له فيه ، والله - سبحانه - هو الذي لا يشاركه غيره في أوصاف الكمال والجمال ، لا وجودا ولا إمكانا فلا جرم لا يكون في حبه شركة ، فلا يتطرق إليه نقصان ، كما لا تتطرق الشركة والنقصان إلى أوصاف كماله ، فهو المستحق لأصل المحبة وكمالها ، ولا متعلق للمحبة إلا هو ، إلا أنه لا يعرف ذلك إلا العارفون من أوليائه وأحبائه ، كما قال
--> ( 16 ) البقرة ، الآية : 30 .