ملا محمد مهدي النراقي
109
جامع السعادات
الذي هو سبب الصحة ، والعالم الذي هو سبب العلم ، ومعطي الطعام والشراب والمرأة التي هي آلة الوقاع : محبوبة لا لذواتها ، بل من حيث أنها وسائل إلى ما هو محبوب لذاته ، فإذن يرجع الفرق إلى تفاوت الرتبة ، والكل يرجع إلى محبة الإنسان نفسه ، فمن أحب المحسن لإحسانه فما أحب ذاته تحقيقا ، بل أحب إحسانه ، ولو زال إحسانه زال حبه مع بقاء ذاته ، ولو نقص نقص الحب ، ولو زاد زاد . وبالجملة : يتطرق إلى حبه الزيادة والنقصان بحسب زيادة الإحسان ونقصانه . الرابع - أن يحب الشئ لذاته ، لا لحظ يناله منه وراء ذاته ، بل تكون ذاته عين حظه ، وهذا هو الحب الحقيقي البالغ الذي يوثق به ، وذلك كحب الجمال والحسن ، فإن كل جمال محبوب عند مدركه ، وذلك لعين الجمال ، لأن إدراك الجمال عين اللذة ، واللذة محبوبة لذاتها لا لغيرها . ولا تظن أن حب الصور الجميلة لا يتصور إلا لأجل قضاء الشهوة ، فإن قضاء الشهوة لذة حيوانية ، وقد يحب الإنسان الصور الجميلة لأجلها ، وإدراك نفس الجمال لذة أخرى روحانية يكون محبوبا لذاتها ، ولا ريب في أن حب الصور الجميلة بالجهة الأولى مذموم ، وبالجهة الثانية ممدوح ، والعشق الذي يقع لبعض الناس من استحسان الصور الجميلة يكون مذموما أن كان سببه اللذة الشهوية الحيوانية ، ويكون ممدوحا أن كان سببه الابتهاج بمجرد أدراك الجمال ، ولأجل التباس السبب في هذا العشق أختلف العقلاء في مدحه وذمه ، وكيف ينكر حب الصور الجميلة لنفس جمالها من دون قصد حظ آخر ، مع أن الخضرة والماء الجاري محبوبان لا لتؤكل الخضرة ويشرب الماء ، أو ينال منهما حظ سوى نفس الرؤية ، وقد كان رسول الله ( ص ) تعجبه الخضرة والماء الجاري والطباع الصافية السليمة قاضية باستلذاذ النظر إلى الأنوار والأزهار والأطيار المليحة الألوان الحسنة النفس المناسبة الشكل ، حتى الإنسان لتتفرج عنه الغموم بمجرد النظر إليها من دون قصد حظ آخر منها . وبما ذكرناه ظهر ضعف ظن بعض ضعفاء العقول ، حيث زعموا أنه لا يتصور أن يحب الإنسان غيره لذاته ، ما لم يرجع منه حظ إلى المحب سوى إدراك ذاته ، ولم يعلموا أن الحسن والجمال