ملا محمد مهدي النراقي
101
جامع السعادات
- سبحانه - وهو الشوق إلى استكمال الوضوح فيما اتضح اتضاحا ما . وأما الثاني ، فلأن الأمور الإلهية لا نهاية لها ، وإنما ينكشف لكل عارف ، بعضها ، وتبقى أمور متناهية خفية عنه ، والعارف إجمالا وجودها وكونها معلومة لله - تعالى - ويعلم أن ما غاب عن علمه من المعلومات أكثر مما حضر ، فلا يزال متشوقا إلى أن يحصل له من المعلومات المتعلقة بعظمة الله وجلاله وصفاته وأفعاله بما لا يعرفها أصلا ، لا مع الوضوح ولا مع الإبهام والاجمال . والشوق الأول ربما انتهى في الآخرة إذا حصل الشهود واللقاء المعنوي لأجل استخلاص النفس من موانع الطبيعة وقشوراتها وحصول التجرد التام لها ، وأما الشوق الثاني فلا يمكن أن ينتهي في الدنيا ولا في الآخرة ، إذ نهاية ذلك أن ينكشف للعبد في الآخرة من عظمة الله وكبريائه وجلاله وصفاته وأحكامه وأفعاله ما هو معلوم لله - تعالى - وهو محال ، إذ معلومات الله المتعلقة بذاته وصفاته وأفعاله غير متناهية قوة وشدة وعدة ، فتمتنع إحاطة الإنسان بها ، فلا يزال العبد عالما بأنه قد بقي من جلال الله وعظمته ومن صفته وفعله ما لم يتضح له ، فلا يسكن قط شوقه وما من عبد إلا ويرى فوق درجته درجات كثيرة لا نهاية لها فيشتاق إليها البتة ، وإذا كان أصل الوصال واللذة حاصلا ، فربما كان الشوق إلى المراتب التي فوق مرتبتها شوقا لذيذا لا يظهر فيه ألم ، وربما كانت لطائف الكشف والبهجة ودرجاتهما متوالية إلى غير نهاية وتحصل للعبد هذه الدرجات في الآخرة على التدريج ، فلا يزال العبد يتصاعد ويترقى إليها ، ولا يزال النعيم واللذة تتزايد له أبد الآباد من غير انقطاع له ، وتكون لذة ما يتجدد من لطائف النعيم شاغلا له عن الاحساس بالشوق إلى ما لم يحصل له ألمه ، فإن أمكن في الآخرة حصول الكشف فيما لم يحصل فيه كشف في الدنيا ، لكان حصول المعارف والابتهاجات والأنوار وتجددها في الآخرة ممكنا ، وإن لم يكتسب أصلها في الدنيا فيتجدد ويتوارد على العبد في الآخرة على الدوام والاستمرار من دون أن ينتهي إلى حد . وربما كان قوله - تعالى - : ( نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ) ( 7 ) : إشارة إلى هذا المعنى ، ويكون المراد به إتمام النور في عين ما استنار
--> ( 7 ) التحريم ، الآية : 8 .