ملا محمد مهدي النراقي

91

جامع السعادات

يمنع شيئا مما ينبغي ألا يمنع شرعا أو مروة أو عادة . ولا يمكن التنصيص على مقدار ذلك ، فلعل حد البخل هو إمساك لغرض ذلك الغرض أهم من حفظ المال ، وفي مقابله الجود والسخاء . ثم من يؤدي الواجب ويحفظ العادة والمروة ، ولكن له مال كثير قد جمعه ، لا يصرفه إلى المحتاجين ولا ينفقه في الصدقات المستحبة ليكون له عدة على نوائب الزمان ، وإن لم يكن بخيلا عند عوام الخلق ، ولكنه بخيل عند أهل الفطانة والكياسة . إذ التبري عن البخل والاتصاف بصفة الجود والسخاء لا يتحقق عندهم ما لم يبذل زيادة على قدر واجب الشرع وواجب المروة والعادة اللائقة به ، لطلب الفضيلة والثواب ، ونيل الدرجات في الآخرة ، وتختلف هذه الزيادة باختلاف مقدار ماله ، وباختلاف حاجة المحتاجين وصلاحهم وورعهم . فاتصافه بالجود ، بقدر ما تتسع له نفسه من قليل أو كثير ، وتختلف درجات ذلك . فاصطناع المعروف أمر وراء ما توجبه العادة والمروة ، وهو الجواد بشرط أن يكون عن طيبة من النفس ، ولا يكون لأجل غرض ، من خدمة أو مدح وثناء . إذ من يبذل المال بعوض المدح والثناء أو غيره فليس بجواد ، بل هو بياع يشتري المدح بماله ، لكون المدح ألذ عنده من المال . فالجواد هو بذل الشئ عن طيبة من القلب من غير غرض ، وهذا وإن كان حقيقة ، إلا أنه لا يتصور في غير حق الله ، إذ ما من إنسان يبذل الشئ إلا لغرض ، لكن إذا لم يكن غرضه إلا الثواب في الآخرة ، ورفع الدرجات ، واكتساب فضيلة الجود ، وتطهير النفس عن رذيلة البخل ، سمي جوادا ، وإن كان غرضه شيئا من الأمور الدنيوية لم يسم جوادا . تنبيه الإيثار أرفع درجات الجود والسخاء ( الإيثار ) ، وهو أن يجود بالمال مع الحاجة إليه . قال الله سبحانه في معرض الثناء على أهل الإيثار : " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " ( 87 ) .

--> ( 87 ) الحشر ، الآية : 9 .