ملا محمد مهدي النراقي

73

جامع السعادات

وانظر إن كنت أنا بعد قبوله في قلبك أفضل مني قبل القبول فأخبرني حتى آخذه وإلا فلا ، وعلامة ذلك أن يشق على المعطي رده ، ويفرح بالقبول ، ويرى المنة على نفسه في قبوله ، وإن كان ( صدقة أو زكاة ) أو غير ذلك مما يكون للثواب المحض فينبغي أن ينظر في استحقاقه لذلك ، فإن كان من أهله قبله وإلا رده ، وإن كان المعطي أعطاه لوصف يعلمه فيه كعلم أو ورع أو كونه علويا ، ولو لم يكن له هذا الاختصاص لنفر طبعه ، ولما تقرب إلى الله بإعطائه ، ولم يكن له باطنا كذلك فأخذه حرام ، وإن لم يكن هدية ولا صدقة بل أعطاه للشهرة والرياء والسمعة فينبغي أن يرد عليه ولا يقبله ، وإلا كان معينا له على غرضه الفاسد ، والإعانة على الإثم إثم . فصل موارد قبول العطاء وردها ما يعطى الفقير إن كان محتاجا إليه ولم يكن أزيد من حاجته فالأفضل له الأخذ إذا سلم من الآفات المذكورة ، قال رسول الله ( ص ) : " ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا " ، وقال ( ص ) : " من أتاه شئ من هذا المال من غير مسألة ولا استشراف فإنما هو رزق ساقه الله إليه فلا يرده " ، وإن كان زائدا على قدر حاجته فليرد الزائد إن كان طالبا طريق الآخرة ، إذ الزيادة على قدر الحاجة إنما يأتيك ابتلاء وفتنة لينظر الله إليك ماذا تعمل فيه ، وقدر الحاجة يأتيك رفقا بك ، فأنت في أخذ قدر الحاجة مثاب ، وفيما زاد عليه إما عاص أو متعرض للحساب ، قال رسول الله ( ص ) : " لا حق لابن آدم إلا في ثلاث : طعام يقيم صلبه ، وثوب يواري عورته ، وبيت يسكنه ، فما زاد فهو حساب " ، فلا ينبغي لطالب السعادة أن يأخذ الأزيد من قدر الحاجة ، إذ النفس إذا رخصت في نقض العزم والعهد ألفت به ، وردها بعد الألف والعادة مشكل . والحاصل أن أخذ قدر الحاجة راجح لكونه مما لا بد منه ، وإيجابه ثواب المعطي ، ولذلك لما أمر موسى بن عمران ( ع ) بأن يفطر عند بني إسرائيل قال : إلهي ما بالي فرقت رزقي على أيدي بني إسرائيل يغديني هذا يوما ويعشيني ذا ليلة ، فأوحى الله إليه : " هكذا أصنع بأوليائي