ملا محمد مهدي النراقي

43

جامع السعادات

فينبغي لكل مؤمن أن يكون باعث جميع أفعاله التقرب إلى الله ليصير الجميع عبادة . فإن أبعد الأفعال من العبادة الأكل والوقاع وقضاء الحاجة ، ويصير بالقصد عبادة . فمن أخذ من المال ما يحتاج إليه في طريق الدين ، وبذل ما فضل منه على إخوانه المؤمنين ، فهو الذي أخذ من حية المال ترياقها واتقى سمها ، فلا تضره كثرة المال . إلا أنه لا يتأتى ذلك إلا لمن كثر علمه واستحكمت في الدين قدمه . والعامي إذ يشتبه به في الاستكثار من المال ، فشأنه شأن الصبي الذي يرى المعزم الحاذق يأخذ بالحية ويتصرف بها ليأخذ ترياقها ، فيقتدي به ويأخذ مستحسنا صورتها وشكلها ومستلينا جلدها فتقتله في الحال . إلا أن قتيل الحية يدري أنه قتيل ، وقتيل المال قد لا يعرف ذلك . وكما يمتنع أن يتشبه الأعمى بالبصير في التخطي قلل الجبال وأطراف البحار والطرق المشوكة ، فيمتنع أن يتشبه العامي الجاهل بالعالم الكامل في الاستكثار من المال . وصل الزهد ضد حب الدنيا والرغبة إليها هو ( الزهد ) ، وهو ألا يريد الدنيا بقلبه ويتركها بجوارحه ، إلا بقدر ضرورة بدنه . وبعبارة أخرى : هو الإعراض من متاع الدنيا وطيباتها ، من الأموال والمناصب وسائر ما يزول بالموت . وبتقرير آخر : هو الرغبة عن الدنيا عدولا إلى الآخرة ، أو عن غير الله ، عدولا إلى الله ، وهو الدرجة العليا . فمن رغب عن كل ما سوى الله حتى الفراديس ، ولم يحب إلا الله ، فهو الزاهد المطلق . ومن رغب عن حظوظ الدنيا خوفا من النار أو طمعا في نعيم الجنة ، من الحور والقصور والفواكه والأنهار ، فهو أيضا زاهد ، ولكنه دون الأول . ومن ترك بعض حظوظ الدنيا دون بعض ، كالذي يترك المال دون الجاه ، أو يترك التوسع في الأكل دون التجمل في الزينة ، لا يستحق اسم الزاهد مطلقا . وبما ذكر يظهر : أن الزهد إنما يتحقق إذا تمكن من نيل الدنيا وتركها ، وكان باعث الترك هو حقارة المرغوب عنه وخساسته ، أعني الدنيا بالإضافة إلى المرغوب إليه وهو الله والدار الآخرة ، فلو كان الترك لعدم قدرته