ملا محمد مهدي النراقي

39

جامع السعادات

فهو إذن محمود ومذموم بالإضافة إلى المقصودين . فالظواهر الذامة محمولة على صورة كونه وسيلة إلى مقاصد فاسدة ، والمادحة على صورة كونه وسيلة إلى مقاصد صحيحة . ولما كانت الطبائع مائلة إلى اتباع الشهوات القاطعة لسبيل الله ، وكان المال مسهلا لها وآلة إليها ، عظم الخطر في ما يزيد على قدر الكفاية ، فاستعاذ طوائف الأنبياء والأولياء من شره ، حتى قال نبينا ( ص ) : " اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا " . وقال ( ص ) : " اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا " . فصل غوائل المال وفوائده قد ظهر مما ذكر : أن المال مثل حية فيها سم وترياق ، فغوائله سمه ، وفوائده ترياقه ، فمن عرفها أمكنه أن يحترز من شره ويستدر منه خيره . ولبيان ذلك نقول : إن غوائله إما دنيوية أو دينية : والدنيوية : هي ما يقاسيه أرباب الأموال : من الخوف والحزن ، والهم ، والغم ، وتفرق الخاطر ، وسوء العيش ، والتعب في كسب الأموال وحفظها ، ودفع الحساد وكيد الظالمين ، وغير ذلك . والدينية ثلاثة أنواع : أولها - أداؤه إلى المعصية . إذ المال من الوسائل إلى المعاصي ، ونوع من القدرة المحركة لداعيتها . فإذا استشعرها الإنسان من نفسه ، انبعثت الداعية ، واقتحم في المعاصي ، وارتكب أنواع الفجور . ومهما كان آيسا عن القدرة لم يتحرك داعية إليها . إذ العجز قد يحول بين المرء وبين المعصية ، ومن العصمة ألا يقدر ، وأما مع القدرة ، فإن اقتحم ما يشتهيه هلك ، وإن صبر وقع في شدة . إذ الصبر مع القدرة أشد ، وفتنة السراء من فتنة الضراء أعظم . وثانيها - أداؤه إلى التنعم في المباحات . فإن الغالب أن صاحب المال يتنعم بالدنيا ويمرن عليه نفسه ، فيصير التنعم محبوبا عنده مألوفا ، بحيث لا يصبر عنه ، ويجره البعض منه إلى البعض . وإذا اشتد ألفه به وصار عادة له ، ربما لم يقدر عليه من الحلال ، فيقتحم في الشبهات ويخوض في