ملا محمد مهدي النراقي
31
جامع السعادات
لتلك الزنابير عليه ، قد صرف باله بأجمعه إلى ذلك ، غير ملتفت إلى ما فوقه وإلى ما تحته . فالبئر هو الدنيا ، والحبل هو العمر ، والثعبان الفاتح فاه هو الموت ، والجرذان الليل والنهار القارضان للعمر ، والعسل المختلطة بالتراب هو لذات الدنيا الممتزجة بالكدورات والآلام ، والزنابير هم أبناء الدنيا المتزاحمون عليها . وشبه بعض العرفاء الدنيا وأهلها ، في اشتغالهم بنعيمها وغفلتهم عن الآخرة ، وحسراتهم العظيمة بعد الموت ، من فقدهم نعيم الجنة بسبب انغمارهم في خسائس الدنيا : بقوم ركبوا السفينة ، فانتهت بها إلى جزيرة ، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة ، وحذرهم المقام فيها ، وخوفهم مرور السفينة واستعجالها ، فتفرقوا في نواحي الجزيرة ، فقضى بعضهم حاجته ، وبادر إلى السفينة ، فصادف المقام خاليا ، فأخذ أوسع الأماكن وأوفقها بمراده . وبعضهم توقف في الجزيرة ، واشتغل بالنظر إلى أزهارها وأنوارها وأشجارها وأحجارها ونغمات طيورها ، ثم تنبه لخطر فوات السفينة ، فرجع إليها ، فلم يصادف إلا مكانا ضيقا ، فاستقر فيه . وبعضهم ، بعد التنبه لخطر مرور السفينة ، لما تعلق قلبه ببعض أحجار الجزيرة وأزهارها وثمارها ، لم تسمح نفسه بإهمالها ، فاستصحب منها جملة ورجع إلى السفينة ، فلم يجد فيها إلا مكانا ضيقا لا يسعه إلا بالتكلف والمشقة ، وليس فيه مكان لوضع ما حمله ، فصار ذلك ثقلا عليه ووبالا ، فندم على أخذها ، ولم يقدر على رميها ، فحملها في السفينة على عنقه متأسفا على أخذها ، وبعضهم اشتغل بمشاهدة الجزيرة ، بحيث لم يتنبه أولا من خطر مرور السفينة ومن نداء الملاح ، حتى امتلأت السفينة ، فتنبه أخيرا ورجع إليها ، مثقلا بما حمله من أحجار الجزيرة وحشائشها ، ولما وصل إلى شاطئ البحر سارت السفينة ولم يجد فيها موضعا أصلا ، فبقي على شاطئ البحر . وبعضهم لكثرة الاشتغال بمشاهدة الجزيرة وما فيها نسوا المركب بالمرة ، ولم يبلغهم النداء أصلا ، لكثرة انغمارهم في أكل الثمار وشرب المياه والتنسم بالأنوار والأزهار والتفرج بين الأشجار ، فسارت السفينة وبقوا في الجزيرة من دون تنبههم بخطر مرورها ، فتفرقوا فيها ، فبعضهم نهشته العقارب والحيات ، وبعضهم