ملا محمد مهدي النراقي

304

جامع السعادات

ويعرض عنه ، وإن كان خالصا له تعالى مقصودا على قصد صحيح ، لا ينبغي تركه لمجرد بعض الوساوس والخواطر الشيطانية . فإن الشيطان يدعو أولا إلى ترك العمل فإن لم يجب يدعو إلى الرياء ، فإذا أيس منه يقول : هذا العمل ليس خالصا ، بل هو رياء ، فأي فائدة منه ؟ ! . ثم الأعمال إما من الطاعات اللازمة التي لا تعلق لها بالغير ، كالصلاة والصوم والحج وأمثالها ، أو من الطاعات المتعدية التي لها تعلق بالخلق ، كالإمامة والقضاء والحكومة والإفتاء الوعظ والتذكير والتعليم والتدريس وإنفاق المال وغير ذلك . والقسم الأول : إن دخله الرياء قبل الفعل ، بأن يكون باعثه الرياء دون الخلوص والقربة ، فينبغي أن يترك ولا يشرع فيه ، وإن دخله بعد العقد أو معه ، فلا ينبغي أن يترك ، لأنه وجد له باعث ديني ، وإنما طرأه باعث الرياء ، فليجاهد في دفع الرياء وتحصيل الإخلاص ، ويرد نفسه إليه قهرا بالمعالجات التي نذكرها . ومهما كان في مقام المجاهدة مع نفسه معاتبا لها قاهرا عليها في ميلها إلى الرياء ، ووجد عن طبعه كراهية هذا الميل ، فالنجاة في حقه مرجوة ، ولعل الله يسامحه بعظيم رحمته . وأما إذا لم يكن في مقام المجاهدة ، ولم يكن كارها مما يجد في نفسه من الميل إلى الرياء ، بل أعطى زمام الاختيار إلى النفس الأمارة ، وهي ترائي في الأعمال ، وهو يتبعها في ذلك من غير قهر عليها وكراهية لفعلها ، فلا ريب في فساد أعماله وأولوية تركها ، وإن كان باعثها ابتداء محض القربة ودخلها الرياء مع العقد أو بعده . وأما القسم الثاني : المتعلق بالخلق - أعني أمامة الصلاة والقضاء والتدريس والإفتاء والوعظ والإرشاد وأمثال ذلك - فأخطارها عظيمة ، ومثوبتها جسيمة . فمن له أهلية ذلك من حيث العلم - إن كان ذا نفس قوية لا يعتني بالناس ولا تزعجها وساوس الخناس وله معرفة تامة بعظمة ربه وقدرته وسائر صفاته الكمالية ، بحيث شغله ذلك عن الالتفات إلى الخلق وما في أيديهم حتى يرائي لأجلهم أو يختار رضاهم على رضا ربه - فالأولى لمثله ألا يترك هذه المناصب ليفوز بمثوبتها العظيمة . وإن كان ذا نفس