ملا محمد مهدي النراقي
286
جامع السعادات
الرابع - أن المدح يدل على حشمة الممدوح واضطرار المادح إلى إطلاق اللسان بالثناء عليه طوعا أو قهرا ، والحشمة محبوبة لما فيها من الغلبة والقدرة ، فشعور النفس بها يورث لذة ، وهذه اللذة تحصل وإن علم الممدوح أن المادح لا يعتقد بما يقوله ، إذ ما يطلبه يحصل منه ، ولضد هذه العلة يبغض الذم أيضا . وهذه الأسباب قد تجتمع في مدح واحد فيعظم به الالتذاذ ، وقد تفترق فينتقص ويندفع استشعار الكمال ، بأن يعلم الممدوح أن المادح غير صادق في مدحه ، فإن كان يعلم أن المادح ليس يعتقد ما يقوله بطلت اللذة الثانية أيضا ، وهو استيلاءه على قلبه ، وبقيت لذة الاستيلاء بالحشمة على اضطرار لسانه إلى النطق بالمدح . فصل علاج المدح وكراهة الذم إذا علم أن حب المدح وكراهة الذم من المهلكات ، فيجب أن يبادر إلى العلاج . وعلاج الأول ، أن يلاحظ أسبابه ، ويعلم أن شيئا منها لا يصلح حقيقة لأن يكون سببا له . أما استشعار الكمال بالمدح ، فلأن المادح إن صدق فليكن الفرح من فضل الله حيث أعطاه هذه الصفات ، وإن كذب فينبغي أن يغمه ذلك ولا يفرح به لأنه استهزاء به ، مع أن الفرح مطلقا في صورة الصدق من السفاهة ، إذ الوصف الذي مدح به إن كان مما لا يستحق الفرح به ، كالثروة والجاه وغيرهما من المطالب الدنيوية ، فالفرح به من قلة العقل ، لأنها كمالات وهمية لا أصل لها ، وإن كان مما يستحق الفرح به كالعلم والورع ، فالفرح إنما هو لكونه مقربا إلى الله ، وهذا فرع حسن الخاتمة وهو غير معلوم . ففي الخوف من خطر الخاتمة شغل شاغل من الفرح بكل شئ . وأما دلالة المدح على تسخير قلب المادح وكونه سببا لتسخير قلب من يسمعه ، فحب ذلك يرجع إلى حب الجاه والمنزلة في القلوب ، وقد سبق طريق معالجته . وأما دلالته على الحشمة ، فإنها ليست إلا قدرة عارضة ناقصة لا ثبات لها ، والعاقل لا يفرح بمثلها .