ملا محمد مهدي النراقي

281

جامع السعادات

الجاه مع المتواضعين له . ولا ينبغي للعاقل أن يترك بمثل ذلك الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا انقطاع لها . ومن فهم الكمال الحقيقي والكمال الوهمي - كما سبق - صغر الجاه في عينه ، إلا أن ذلك إنما يصغر في عين من ينظر إلى الآخرة كأنه يشاهدها ويستحقر العاجلة ويكون الموت كالحاصل عنده ، وأبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة لا يمتد نورها إلى مشاهدة العواقب ، كما قال الله تعالى : " بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى " ( 23 ) . وقال : " كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة " ( 24 ) . فمن هذه مرتبته ، فينبغي أن يعالج قلبه من حب الجاه بمعرفة الآفات العاجلة ، وهو أن يفكر في الأخطار التي يستهدف لها أرباب الجاه في الدنيا فإن كل ذي محسود مقصود بالإيذاء ، وخائف على الدوام على جاهه ، ولا يزال في الاضطراب والخوف من أن تتغير منزلته في القلوب . مع أن قلوب الناس أشد تغيرا وانقلابا من القدر في غليانه ، وهي مرددة بين الإقبال والإعراض ، فكلما يبنى على قلوب الخلق يضاهي ما يبنى على أمواج البحر فإنه لا ثبات له . والإشغال بمراعاة القلوب وحفظ الجاه ودفع كيد الحساد ومنع أذى الأعداء اشتغال عن الله وتعرض لمقته في العاجل والأجل كل ذلك غموم عاجلة مكدرة للذة الجاه ، فلا يبقى في الدنيا أيضا مرجوها بمخوفها ، فضلا عما يفوت في الآخرة . فبهذا ينبغي أن تعالج البصيرة الضعيفة وأما من نفذت بصيرته وقوي إيمانه فلا التفات له إلى الدنيا . فهذا هو العلاج العلمي وأما العلاج العملي : فإسقاط الجاه عن قلوب الخلق بالأنس بضد الجاه الذي هو الخمول ويقنع بالقبول من الخالق ، وأقوى العلاج لقطع الجاه الاعتزال عن الناس والهجرة إلى مواضع الخمول ، لا مجرد الاعتزال في بيته في البلدة التي هو فيها مشهور ، لأن المعتزل في بيته في البلدة التي هو فيها مشهور عند أهلها لا يخلو بسبب عزلته عن حب المنزلة التي تترسخ له في القلوب ، فربما يظن أنه ليس محبا لذلك الجاه وهو مغرور ، وإنما سكنت

--> ( 23 ) الأعلى ، الآية : 16 - 17 ( 24 ) القيامة : 20 - 21