ملا محمد مهدي النراقي

28

جامع السعادات

نزلته ثم ارتحلت عنه ، أو كقنطرة تعبر عنها ولا تمكث عليها . وفي كونها مجرد الوهم والخيال ، وكونها مما لا أصل لها ولا حقيقة ، كفئ الظلال ، أو خيالات المنام وأضغاث الأحلام ، فإنك قد تجد في منامك ما تهواه ، فإذا استيقظت ليس معك منه شئ . وفي عداوتها لأهلها وإهلاكها إياهم : بامرأة تزينت للخطاب ، حتى إذا نكحتهم ذبحتهم . فقد روي : " أن عيسى ( ع ) كوشف بالدنيا ، فرآها في صورة عجوز شمطاء هتماء عليها من كل زينة ، فقال لها : كم تزوجت ؟ قالت : لا أحصيهم ، قال : فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك ؟ قالت : بل كلهم قتلت ، فقال عيسى ( ع ) : بؤسا لأزواجك الباقين ، كيف لا يعتبرون بالماضين ؟ كيف تهلكينهم واحدا واحدا ولا يكونون منك على حذر ؟ ! " . وفي مخالفة باطنها لظاهرها : كعجوز متزينة تخدع الناس بظاهرها . فإذا وقفوا على باطنها وكشفوا القناع عن وجهها ، ظهرت لهم قبائحها . روي : " أنه يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء ، أنيابها بادية ، مشوه خلقها ، فتشرف على الخلائق ، ويقال لهم : تعرفون هذه ؟ فيقولون : نعوذ بالله من معرفة هذه ! فيقال : هذه الدنيا التي تفاخرتم عليها ، وبها تقاطعتم الأرحام ، وبها تحاسدتم وتباغضتم وأغررتم ، ثم يقذف بها في جهنم فتنادي : أي رب ! أين أتباعي وأشياعي ؟ فيقول الله - عز وجل - : ألحقوا بها أتباعها وأشياعها " . وفي قصر عمرها لكل شخص بالنسبة إلى ما تقدمه من الأزل وما يتأخر عنه من الأبد : كمثل خطوة واحدة ، بل أقل من ذلك ، بالنسبة إلى سفر طويل ، بل بالنسبة إلى كل مسافة الأرض أضعافا غير متناهية . ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن إليها ، ولم يبال كيف انقضت أيامه في ضيق وضر أو في سعة ورفاهية ، بل لا يبني لبنة على لبنة . توفي سيد الرسل ( ص ) وما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة . ورأى بعض أصحابه يبني بيتا من جص ، فقال : " أرى الأمر أعجل من هذا " . وإلى هذا أشار عيسى ( ص ) حيث قال : " الدنيا قنطرة ، فاعبروها ولا تعمروها " . وفي نعومة ظاهرها وخشونة باطنها : مثل الحية التي يلين مسها