ملا محمد مهدي النراقي
278
جامع السعادات
إلى الله ، إذ هو علم ثابت لا يقبل التغيير والانقلاب ، إذ معلوماته أزلية أبدية وليس لها تغيير وانقلاب ، حتى يتغير العلم بتغيرها مثل التغيرات التي يتغير العلم بها بتغيرها وانقلابها ، كالعلم بكون زيد في الدار . فهو علم ثابت أزلا وأبدا من دون تغير واختلاف ، كالعلم بجواز الجائزات ووجوب الواجبات واستحالة المستحيلات . فهذا العلم - أعني معرفة الله ومعرفة صفاته وأفعاله - هو الكمال الحقيقي الذي يبقى بعد الموت وينطوي فيه العلم بالنظام الجملي الأصلح وجميع المعارف المحيطة بالموجودات وحقائق الأشياء ، إذ الموجودات كلها من أفعاله ، فمن عرفها من حيث هي فعل الله ومن حيث ارتباطها بالقدرة والإرادة والحكمة ، كانت هذه المعرفة من تكملة معرفة الله التي تبقى كمالا للنفس بعد الموت ، وتكون نورا للعارفين بعد الموت يسعى بين أيديهم وأيمانهم : " يقولون ربنا أتمم لنا نورنا " ، وهي رأس مال يوصل إلى كشف ما لم ينكشف في الدنيا ، كما أن من معه سراج خفي ، فإنه يجوز أن يصير ذلك سببا لزيادة النور بسراج آخر يقتبس منه ، فيكمل النور بذلك النور الخفي على سبيل الاستتمام ، ومن ليس معه أصل السراج لا مطمع له في ذلك . فمن ليس له أصل معرفة الله لم يكن له مطمع في هذا النور ، بل هو في " ظلمات في بحر لجي ، يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ، ظلمات بعضها فوق بعض " . وما عدا هذه المعرفة من المعارف ، إما لا فائدة فيه أصلا ، كمعرفة الشعر وأنساب العرب ومثلها ، أو له منفعة في معرفة الله ، كمعرفة لغة العرب والتفسير والفقه والأخبار ، ومعرفة طريق تزكية النفس التي تفيد استعدادا لقول الهداية إلى معرفة الله ، كما قال تعالى : " قد أفلح من زكاها " ( 21 ) . وقال : " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " ( 22 ) . فهو من حيث إنه وسيلة إلى معرفة الله وإلى تحصيل الحرية مما لا بد منه بالعرض .
--> ( 21 ) الشمس ، الآية : 9 ( 22 ) العنكبوت ، الآية : 69