ملا محمد مهدي النراقي
26
جامع السعادات
وقال بعض أكابر الزهاد : " الدنيا تخلق الأبدان ، وتجدد الآمال ، وتقرب المنية ، وتبعد الأمنية ، ومن ظفر بها تعب ، ومن فاتته نصب " . وقال بعضهم : " ما في الدنيا شئ يسرك إلا وقد التزق به شئ يسؤك " . وقال آخر : " لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث : إنه لم يشبع مما جمع ، ولم يدرك ما أمل ، ولم يحسن الزاد لما قدم عليه " . وقال حكيم : " كانت الدنيا ولم أكن فيها ، وتذهب ولا أكون فيها ، فكيف أسكن إليها ؟ فإن عيشها نكد ، وصفوها كدر ، وأهلها منها على وجل ، إما بنعمة زائلة ، أو بلية نازلة ، أو منية قاضية " . وقال بعض العرفاء : " الدنيا حانوت الشيطان ، فلا تسرق من حانوته شيئا ، فيجئ في طلبك ويأخذك " . وقال بعضهم : " لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من خزف يبقى ، لكان ينبغي أن يختار العاقل خزفا يبقى على ذهب يفنى ، فكيف والآخرة ذهب يبقى والدنيا أدون من خزف يفنى ؟ " وقد ورد : " إن العبد إذا كان معظما للدنيا ، يوقف يوم القيامة ، ويقال : هذا عظم ما حقره الله " . وروي : " أنه لما بعث النبي ( ص ) أتت إبليس جنوده ، فقالوا : قد بعث نبي وأخرجت أمة ، قال : يحبون الدنيا ؟ قالوا : نعم ! قال : إن كانوا يحبونها ما أبالي ألا يعبدوا الأوثان ، وأنا أغدو عليهم وأروح بثلاثة : أخذ المال من غير حقه ، وإنفاقه في غير حقه ، وإمساكه عن حقه ، والشر كله لهذا تبع " . وروي : " إنه أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه : احذر مقتك ، فتسقط من عيني ، فأصب عليك الدنيا صبا " . وقال بعض الصحابة : " ما أصبح أحد من الناس في الدنيا إلا وهو ضيف ، وماله عارية . فالضيف مرتحل ، والعارية مردودة " . وقال بعضهم : " إن الله جعل الدنيا ثلاثة أجزاء : جزء للمؤمن وجزء للمنافق ، وجزء للكافر . فالمؤمن يتزود ، والمنافق يتزين ، والكافر يتمتع " . وقيل : " من أقبل على الدنيا أحرقته نيرانها حتى يصير رمادا ، ومن أقبل على الآخرة صفته نيرانها فصار سبيكة ذهب ينتفع بها ، ومن أقبل على الله سبحانه ، أحرقته نيران التوحيد ، فصار جوهرا لا حد لقيمته " . وقيل أيضا : " العقلاء ثلاثة : من ترك الدنيا قبل أن تتركه ، وبنى قبره قبل أن يدخله ، وارتضى خالقه قبل أن يلقاه " . وسأل بعض الأمراء رجلا