ملا محمد مهدي النراقي

254

جامع السعادات

قال : ما كان إبراهيم سقيما ، وما كذب ، إنما عني سقيما في دينه ، أي مرتادا " . وطريق التعريض والتورية : أن يخبر المتكلم المخاطب بلفظ ذي احتمالين أحدهما غير مطابق للواقع وأظهر في المقام ، فيحمله المخاطب عليه ، وثانيهما مطابق له يريده المتكلم ، كما ظهر من خبر الاحتجاج . ومن أمثلته : أنه إذا طلبك ظالم وأنت في دارك ولا تريد الخروج إليه ، أن تقول لأحد أن يضع إصبعه في موضع ويقول : ليس ههنا . وإذا بلغ عنك شئ إلى رجل ، وأردت تطييب قلبه من غير أن تكذب ، تقول له : إن الله ليعلم ما قلت من ذلك من شئ ، على أن يكون لفظة ( ما ) عندك للابهام ، وعند المستمع للنفي . وقد ظهر مما ذكر : إن كل تعريض لغرض باطل كالتصريح في عدم الجواز ، لأن فيه تقريرا للغير على ظن كاذب . نعم ، قد تباح المعاريض لغرض خفيف ، كتطييب قلب الغير بالمزاح ، كقول النبي ( ص ) : " لا تدخل الجنة عجوز " و " في عين زوجك بياض " و " نحملك على ولد بعير " . . . وقس عليه أمثال ذلك . ومن الكذب الذي يجوز ولا يوجب الفسق ، ما جرت به العادة في المبالغة ، كقولك : قلت لك كذا مائة مرة ، وطلبتك مائة مرة ، وأمثال ذلك لأنه لإيراد بذلك تفهيم المرات بعددها ، بل تفهيم المبالغة . فإن لم يكن طلبه إلا مرة واحدة كان كاذبا ، وإن طلبه مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة فلا يأثم ، وإن لم تبلغ مائة . ومن الكذب الذي لا إثم عليه ما يكون في أنواع المجاز والاستعارات والتشبيهات ، إذ الغرض تفهيم نوع من المناسبة والمبالغة ، لا دعوى الحقيقة والمساواة من جميع الجهات . ومن الكذب الذي جرت العادة به ، ويتساهل فيه ، قول الرجل إذا قيل له : كل الطعام : ( لا أشتهيه ) ، مع كونه مشتهيا له . وهذا منهي عنه كما تدل عليه بعض الأخبار ، إلا إذا كان فيه غرض صحيح ، وما جرت العادة به قول الرجل : ( الله يعلم ) فيما لا يعلمه ، وهو أشد أنواع الكذب ، قال عيسى ( ع ) : " إن من أعظم الذنوب عند الله أن يقول العبد :