ملا محمد مهدي النراقي

252

جامع السعادات

محذور وأضرار ، وليس كل الكذب لزيادة المال والجاه وغير ذلك مما يستغنى عنه ، فإنه محرم قطعا ، إذ فواته لا يوجب ضررا وفسادا وإعداما للموجود بل إنما يوجب فوات حظ من حظوظ النفس . وكذلك فتوى العالم بما لا يحققه وفتوى من ليس له أهلية الافتاء ، إظهارا للفضل أو طلبا للجاه والمال ، بل هو أشد أنواع الكذب إثما وحرمة ، لأنه مع كونه كذبا لما يستغنى عنه ، كذب على الله وعلى رسوله . فالكذب إذا كان وسيلة إلى ما يستغنى عنه حرام مطلقا ، وإذا كان وسيلة إلى ما لا يستغنى عنه ينبغي أن يوازن ( 38 ) محذور الكذب مع محذور الصدق ، فيترك أشدهما وقعا في نظر الشرع . وبيان ذلك : أن الكذب في نفسه محذور ، والصدق في المواضع المذكورة يوجب محذورا ، فينبغي أن يقابل أحد المحذورين بالآخر ، ويوازنا بالميزان القسط ، فإن كان محذور الكذب أهون من محذور الصدق فله الكذب ، وإن كان محذور الصدق أهون وجب الصدق ، وقد يتقابل المحذور أن بحيث يتردد فيهما ، وحينئذ فالميل إلى الصدق أولى ، إذ الكذب أصله الحرمة ، وإنما يباح بضرورة أو حاجة مهمة ، وإذا شك في كون الحاجة مهمة ، لزم الرجوع إلى أصل التحريم . تنبيه التورية والمبالغة كل موضع يجوز فيه الكذب ، إن أمكن عدم التصريح به والعدول إلى التعريض والتورية ، كان الأولى ذلك . وما قيل : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ، وإن فيها ما يغني الرجل عن الكذب ، ليس المراد به أنه يجوز التعريض بدون حاجة واضطرار ، إذ التعريض بالكذب يقوم مقام التصريح به ، لأن المحذور من الكذب تفهيم الشئ على خلاف ما هو عليه في نفسه ، وهذا موجود في الكذب بالمعاريض . فالمراد أن التعريض

--> ( 38 ) لم يثبت لهذه الموازنة على عمومها دليل من الشرع ، وكل ما ثبت منه تلك المواضع المذكورة آنفا ، التي جاز فيها الكذب ، وهي : الإصلاح والحرب والزوجة ، وفي الحصر بالمواضع الثلاثة في الروايات المتقدمة دليل على عدم جواز الكذب في غيرها ، لا سيما مثل قوله - عليه السلام - . " كل كذب مسؤول عنه صاحبه يوما ، إلا كذبا في ثلاثة . . " ولكن ثبت استثناء بعض المواضع كدفع الظلم ، فلا يتعداها .