ملا محمد مهدي النراقي

232

جامع السعادات

وهذه الثلاثة الأخيرة مما يغمض دركها ، لأن أكثر الناس يظنون أن الرحمة والتعجب والغضب إذا كان لله كان عذرا في ذكر الاسم ، وهو خطأ محض ، إذ المرخص في الغيبة حاجات مخصوصة لا مندوحة فيها من ذكر الاسم دون غيرها ، وقد روي : " أن رجلا مر على قوم في عصر النبي ( ص ) فلما جاوزهم ، قال رجل منهم : إني أبغض هذا الرجل لله فقال القوم : ولله لبئس ما قلت ! وإنا نخبره بذلك ، فأخبروه به ، فأتى الرجل رسول الله ( ص ) وحكى له ما قال ، وسأله أن يدعوه فدعاه ، وسأله عما قال في حقه ، فقال : نعم قد قلت ذلك . فقال رسول الله : ولم تبغضه ؟ فقال : أنا جاره وأنا به خبير والله ما رأيته يصلي صلاة قط إلا هذه المكتوبة ! فقال : يا رسول الله ، فاسأله هل رآني أخرتها عن وقتها لو أسأت الوضوء لها والركوع والسجود ؟ فسأله فقال : والله ما رأيته يصوم شهرا قط إلا هذا الشهر الذي يصومه كل بر وفاجر قال : فاسأله يا رسول الله هل رآني أفطرت فيه أو نقصت من حقه شيئا ؟ فسأله ، فقال : لا ! فقال : والله ما رأيته يعطي سائلا قط ولا مسكينا ، ولا رأيته ينفق من ماله شيئا في سبيل الخير إلا هذه الزكاة التي يؤديها البر والفاجر ! قال : فاسأله هل رآني نقصت منها شيئا أو ماكست فيها طالبها الذي يسألها فسأله فقال : لا : فقال رسول الله ( ص ) للرجل : قم ، فلعله خير منك " ولا ريب في أن إنكار القوم عليه بعد قوله أبغضه لله يفيد عدم جواز إظهار المنكر الصادر من شخص لغيره ، وإن كان في مقام الغضب والبغض لله . فصل ذم الغيبة لما علمت حقيقة الغيبة وبواعثها ، فاعلم أنها أعظم المهلكات وأشد المعاصي وقد نص الله سبحانه على ذمها في كتابه ، وشبه صاحبها بآكل لحم الميتة ، فقال : " ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه " ( 21 ) . وقال : " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول

--> ( 21 ) الحجرات ، الآية : 12 .