ملا محمد مهدي النراقي
221
جامع السعادات
في الجوارح " . ومنها : السخرية والاستهزاء وهو محاكاة أقوال الناس أو أفعالهم أو صفاتهم وخلقهم ، قولا وفعلا ، أو إيماءا وإشارة ، على وجه يضحك منه . وهو لا ينفك عن الإيذاء والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائص . وإن لم يكن ذلك بحضرة المستهزأ به . فيتضمن الغيبة أيضا . وباعثه إما العداوة أو التكبر واستصغار المستهزأ به ، فيكون من رذائل القوة الغضبية ، أو قصد ضحك الأغنياء وتنشيط قلوبهم ، طمعا في بعض أوساخهم الملوثة ، وأخذ النبذ من حطامهم المحرمة ، ولا ريب في أنه صفة من لاحظ له في الدين ، وشيمة أراذل أحزاب الشياطين ، لأنهم يظهرون أكاذيب الأقوال ويرتكبون أعاجيب الأفعال ، يخلعون قلائد الحرية عن الرقاب ، ويهتكون أستار الحياء بمرأى من أولي الألباب ، يبتغون عيوب المؤمنين وعوراتهم ، ويظهرون نقائص المسلمين وعثراتهم ، يقلدون أفعال الأخيار على وجه يضحك الأشرار ، ويحاكون صفات الأبرار على أفضح الوجوه في الأنظار . ولا ريب في أن المرتكب لهذه الأفعال بعيد عن الإنسانية بمراحل ، ومستوجب لعقوبة العاجل وعذاب الآجل ، ولا يخلو ساعة عن الصغار والهوان ، ولا وقع له في قلوب أهل الإيمان ، وكفاه ذما أنه جعل تلك المعاصي الخبيثة وسيلة لتحصيل المال أو الواقع في قلوب أبناء الدنيا ، ويلزمه عدم اعتقاده بأن الله سبحانه هو المتكفل لأرزاق العباد . والطريق في دفعه - بعد التأمل في سوء عاقبته ، ووخامة خاتمته ، وفيما يلزمه من الذلة والهوان في الدنيا - أن يبادر إلى إزالة العداوة والتكبر إن كان باعثه ذلك ، وإن كان باعثه تنشيط قلوب أهل الدنيا طمعا في مالهم ، فليعلم أن لكل نفس ما قدر لها من الأموال والأرزاق ، يصل إليها من الله سبحانه البتة ، فإن من يتق الله ويتوكل عليه يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ، ويكون في الآخرة سعيدا ، وإن أغواه الشيطان وحثه على تحصيلها من المداخل الخبيثة ، لم يصل إليه أكثر مما قدر له ، وكان في الآخرة شقيا .