ملا محمد مهدي النراقي
22
جامع السعادات
هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ، ممن كان أطول منكم أعمارا ، وأشد منكم بطشا ، وأعمر ديارا وأبعد آثارا ، فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلبها ، وأجسادهم بالية ، وديارهم على عروشها خاوية ، وآثارهم عافية ، استبدلوا بالقصور المشيدة والسرر والنمارق الممهدة الصخور والأحجار المسندة في القبور اللاطئة الملحدة ، فمحلها مقترب ، وساكنها مغترب ، بين أهل عمارة موحشين ، وأهل محلة متشاغلين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الجيران والأخوان ، على ما بينهم من قرب الجوار ودنو الدار ، وكيف يكون بينهم تواصل ، وقد طحنهم بكلكله البلاء ، وأكلتهم الجنادل ، والثرى ، وأصبحوا بعد الحياة أمواتا ، وبعد نضارة العيش رفاتا ، فجع بهم الأحباب ، وسكنوا تحت التراب ، وظعنوا فليس لهم إياب ، هيهات هيهات ! " كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " ( 19 ) . فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى والوحدة في دار المثوى ، وارتهنتم في ذلك المضجع ، وضمكم ذلك المستودع ، وكيف بكم لو عاينتم الأمور ، وبعثرت القبور ، وحصل ما في الصدور ، وأوقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل ، فطارت القلوب لإشفاقها منم سالف الذنوب ، وهتكت عنكم الحجب والأستار ، فظهرت منكم العيوب والأسرار ، هنا لك . " تجزى كل نفس بما كسبت " ( 20 ) . وقال أيضا عليه السلام في بعض خطبه : " أوصيكم بتقوى الله والترك للدنيا التاركة لكم ، وإن كنتم لا تحبون تركها ، المبلية أجسامكم ، وأنتم تريدون تجديدها ، فإنما مثلكم ومثلها كمثل قوم في سفر سلكوا طريقا ، وكأنهم قد قطعوه ، وأفضوا إلى علم ، فكأنهم قد بلغوه ، وكم عسى أن يجري المجرى حتى ينتهي إلى الغاية ، وكم عسى أن يبقى من له يوم في الدنيا ، وطالب حثيث يطلبه حتى يفارقها ، فلا تجزعوا لبؤسها وضرائها فإنه إلى انقطاع ولا تفرحوا بمتاعها ونعمائها فإنه إلى زوال ، عجبت لطالب الدنيا والموت
--> ( 19 ) المؤمنون ، الآية : 101 . ( 20 ) المؤمن ، الآية : 17 .