ملا محمد مهدي النراقي

205

جامع السعادات

إليه ، بل يبادر إلى الاعطاء قبل أن يفتقر إلى السؤال ، كما ورد في الأخبار ، وإن أضجراه فلا يقل لهما أف ، وإن ضرباه لا يعبس وجهه ، وقال لهما : غفر الله لكما ، ولا يملأ عينيه من النظر إليهما إلا برحمة ورقة ، ولا يرفع صوته فوق صوتهما ، ولا يده فوق أيديهما ، ولا يتقدم قدامهما ، بل مهما أمكن له لا يجلس عندهما ، وكلما بالغ في التذلل والتخضع كان أجره أزيد وثوابه أعظم . وبالجملة : إطاعتهما واجبة وطلب رضاهما حتم ، فليس للولد أن يرتكب شيئا من المباحات والمستحبات بدون إذنهما ، ولذا أفتى العلماء بأنه لا تجوز المسافرة في طلب العلم إلا بأذنهما ، إلا إذا كان في طلب علم الفرائض ، من الصلاة والصوم وأصول العقائد ، ولم يكن في بلده من يعلمه ، ولو كان في بلده من يعلمه لم تجز المسافرة . وقد روي : " أن رجلا هاجر من اليمن إلى رسول الله ( ص ) وأراد الجهاد ، فقال له : ارجع إلى أبويك فاستأذنهما ، فإن أذنا فجاهد ، وإلا فبرهما ما استطعت ، فإن ذلك خير مما كلف به بعد التوحيد " . وجاء آخر إليه للجهاد ، فقال : " ألك والدة ؟ " قال : نعم ! قال : " فالزمها ، فإن الجنة تحت قدمها " . وجاء آخر ، وطلب البيعة على الهجرة إلى الجهاد ، وقال : ما جئتك حتى أبكيت والدي . قال : " ارجع إليهما ، فأضحكهما كما أبكيتهما " . ولو وقعت بين الوالدين مخالفة ، بحيث توقف رضى أحدهما على سخط الآخر ، فينبغي أن يجتهد في الإصلاح بينهما بأي طريق أمكن ، ولو بالعرض إلى فقيه البلد حتى يطلبهما ويعظهما ويقيمهما على الوفاق ، لئلا ينكسر خاطر أحدهما منه . وأعلم أن حق كبير الأخوة على صغيرهم عظيم ، فينبغي محافظته . قال رسول الله ( ص ) : " حق كبير الأخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده " .